منسقية العمل القومي الإسلامي في موريتانيا بين التكتيكي والاستراتجي..
لم تخل ساحة قطرنا ، منذ عشرين سنة، من طرح سياسي، من جانب القوميين، يطالب بمراجعة أساليب العمل في الخطابين الإسلامي والقومي، بهدف استكشاف مساحة المشترك المتسعة بينهما، والتغلب على "آفة التخندق الفكري المتفشية في الحياة الثقافية" على الصعيد القومي عموما ، والصعيد القطري خصوصا؛ حيث العوائق النفسية والأحكام المسبقة والمهاترات هي عملة التداول في حقل الإعلام، بين الخطابين.
يقف العربي اليوم على إرشيف أمته يتصفح الوثائق .. يتأمل الوقائع .. يقارن الأحداث .. يحلل المشاهد المتصلة أحيانا ، المنفصلة حينا فيجد نفسه محاصرا بسؤال : ما الذي تغير في الساحة العربية من ثورة 23 تموز 1952 التي قادها الزعيم القومي العربي الراحل المرحوم جمال عبد الناصر، والثورة التي فجرها حزب البعث العربي الاشتراكي في 17-30 تموز 1968؟..
الجواب هو أن هذه الوقائع والأحداث والمشاهد والتطورات الدرامية ، كلها تعابير مختلفة وصيغ متنوعة لمشروع واحد : مشروع قومي عربي وحدوي يصارع ، ولا يفتأ كذلك، لتأسيس ذاته ، بل بالأحرى يعيد تأسيس ذاته في صيرورة تاريخية تقتحم مرة متاريس الزمن وتعدل من إيقاعه ، كما هو الحال في ثورات 23 تموز 1952 و17-30 تموز 1968 والفاتح من سبتمبر 1969 ، ويتراجع حينا أمام عتو إشكالات الواقع القومي والدولي المتشابك؛ وهذا المشروع اليوم لا تغيير عليه من جهة منطلقاته النظرية والإديولوجية، فالدواعي الموضوعية والذاتية لها تبرر وجودها باستمرار متناسب مع حجم وخطورة التحديات التي تواجه هذا المشروع ، وتجعل حلقات نجاحه وفواصل تأزمه خطا بيانيا متصلا ، متموجا مع مسارب جغرافيا الوطن العربي، يعلو فيها ويلتف، يحتمي فيها بالتاريخ ،ويتغذى بقيم الإنسانية التي شارك في بناء نسقها الكوني!
التاريخ بطبعه ميال إلى الإنصاف متناغم مع صناعه، له وقفة مع الحق، مع من ساهموا وبقوا بعد - رحيلهم الجسدي- يساهمون في إرساء دعائم البشرية من خلال أدوارهم الحضارية في البناء والتنمية وتأسيس وعي جماعي بدور الإنسان على هذه البسيطة.