????? ??? ?? ?????? ?????? ???? ?????? ??????????

مقابلة أجرتها السفير نت مع رئيس المجلس المركزي الأستاذ حمودي ولد ابراهيم PDF طباعة أرسل لصديقك
حمودي ولد إبراهيم من مواليد 1958 بولاية لبراكنة، التحق بالعمل السياسي وهو لا يزال في ربيعه السابع عشر؛ أي سنة 1975 ثم سافر بعد عامين من ذلك التاريخ للدراسة في رحلة قادته في النهاية إلى سجن في صحراء لحمادة في الجنوب الجزائري مع مجموعة كبيرة من الشباب الموريتاني قضوا فيه أربع سنوات، ثم أطلق سراحهم وعادوا إلى انواكشوط في مارس 1981، واصل بعدها الشاب رحلته مع المطاردة والسجون، بدءا بالبحث عنه في اعتقالات البعثيين 1981، 1982،
 حيث تمكن من الاختفاء والخروج إلى الأراضي السنغالية بعد تكثيف البحث عنه، صدر عليه الحكم في أول محكمة عسكرية سياسية موريتانية عقدت في ثكنة اجريدة 1983 وأصدرت أحكاما قاسية وصلت 12 سنة أحيانا، وكان نصيب صاحبنا من تلك الأحكام حكما غيابيا مدته خمس سنوات مع الأعمال الشاقة. استفاد من العفو العام الذي أصدره معاوية ولد الطايع إثر انقلاب 1984 ثم سافر من جديد إلى العراق لتحقيق حلمه في الدراسة، ومكنته خبرته السابقة من الالتحاق بالكلية العسكرية ببغداد فتخرج منها 1987 ليعود إلى بلاده ويعود ثالثة إلى السجن!! في الاعتقالات التي شملت معظم أطر وكوادر البعثيين في يونيو 1988 وعرضت مئات ممن شملتهم تهمة التعاطف معهم في المؤسسة الأمنية والعسكرية للفصل والتشريد. عاش محنة التعذيب والاعتقال وصدر عليه حكم نافذ مدته أربع سنوات مع الأعمال الشاقة، قضاها متنقلا بين سجون اجريدة وتيشيت وتجكجه.. خرج من السجن 1991. وبعد دخول البلاد في التعددية السياسية كان عضوا مؤسسا في حزب "العمل من أجل التغيير" برئاسة مسعود ولد بلخير وعضو لجنته الدائمة وأمينه العام المساعد المكلف بالإعلام والناطق الرسمي باسم الحزب ذاته، ومرشحه في الانتخابات النيابية 1996 عن دائرة عرفات. بعد حل هذا الحزب بقي خارج الحياة السياسية حتى تأسيس حزب الصواب الذي كان من مؤسسيه في مايو 2004 ثم انتخب رئيس مجلسه المركزي في مؤتمره الأول (يناير 2007) وهو المنصب الذي يشغله في الوقت الحالي.
وقد التقينا حمودي ولد إبراهيم فأجرينا معه الحوار التالي:
سؤال: متى بدأت الحياة السياسية؟ 
جواب: بدايتي مع الحياة السياسية كانت في سنة 1975 في انواكشوط حين انخرطت في العمل السري داخل التيار القومي؛ جناح حزب البعث العربي الاشتراكي.
سؤال: كيف تم ذلك؟ 
جواب: في الواقع كان الجو السياسي العام في البلد يتنازعه تياران هما التيار القومي بشقيه البعثي والناصري وتيار الكادحين قبل انقسامه؛ ولأنني تلقيت مجموعات فكرية عديدة من كتب القوميين فقد تأثرت كثيرا بكتاب في "سبيل البعث" للأستاذ ميشل عفلق وكتب منيف الرزاز، وكان هذا الاتجاه أكثر تأثيرا في صياغة خياري الإيديولوجي؛ لذا وجدت الطريق سالكا إلى خلاياه السرية المنتشرة في العاصمة.
سؤال: هل انخراطك في العمل السياسي هو الذي قادك إلى السفر خارج موريتانيا في ذلك الوقت المبكر من عمرك (17 عاما)؟ 
جواب: كان سفري في بداية عام 1976 سنة واحدة بعد دخولي في العمل السياسي؛ لكن سببه الحقيقي كان البحث المتعطش عن الدراسة، وعن كيفية أصل بها إلى دولة من دول المشرق العربي: مصر، العراق، سوريا؛ ولأن الحصول على جواز السفر في ظروفي تلك كان مستحيلا هنا، فقد نصحني البعض بالبحث عنه من خلال إحدى سفاراتنا في الخارج، فقد كانت تمنحه بسهولة لطالبيه من الموريتانيين؛ ولذا توجهت إلى الجمهورية العربية الليبية -كما كانت تسمى في ذلك الحين- لأن السفر إليها لا يتطلب إلا بطاقة التعريف الوطنية؛ لكن بعد وصولي لم أتمكن من الحصول على الجواز لا في زمن السفير أحمد دي ولا في زمن خلفه محمد محمود ولد ودادي، وكنت، مثل غيري من مئات الشباب الموريتاني في ليبيا، لا نريد إلا جوازات السفر؛ لأننا لم نأت للعمل وكانت الدراسة في ليبيا غير متيسرة للموريتانيين؛ على الأقل في ذلك الحين. فبقي هؤلاء ينتظرون في مختلف المدن الليبية بشكل تائه حتى قدم الأخوان: الطالب ولد يوسف، وسيدي بوبكر ولد يوسف من موريتانيا في مارس 1977 ونقلا صورة مأساوية عن الأوضاع فيها؛ خصوصا أن الأخبار قبل ذلك كانت ترد بأن الشمال الموريتاني احتلته القوات المغربية والفرنسية: الأولى في انواذيب والثانية في ازويرات؛ وبما أن جو الإحباط هو المسيطر داخل مجموعات الشباب والخطاب السائد في صفوفها هو خطاب تمجيد الثورة وحمل لكلاشنيكوف اقتداء بالثورة الفلسطينية والفيتنامية فقد كان هذا كله يغذي بذور الحماس والتمرد الثاوية في نفوسنا ويدفعنا إلى التفكير في حمل السلاح والاندماج السريع في التيار التحرري العالمي المسلح؛ وأقرب مناطقه لنا كان ما نسميه الثورة الصحراوية التي هي -في نظرنا- رديف الثورة الفلسطينية والفيتنامية في المنطقة. وفي أحشاء هذا التفكير والجو الحماسي الحالم ترعرعت سريعا بين أوساطنا فكرة إنشاء ما سنسميه لاحقا "الجبهة الوطنية لتحرير موريتانيا" لإسقاط النظام "الرجعي" "حليف الاستعمار"
سؤال: أغلب الموريتانيين لم يسمعوا عن هذه الجبهة حسب ظني.. ما طبيعتها وكيف تأسست؟ 
جواب: صحيح أن أغلب الموريتانيين؛ بمن فيهم من يدعون أحيانا أنهم مهتمون وباحثون -بل مختصون في التاريخ السياسي المعاصر- لا يعرفون شيئا عن هذه "الجبهة" لكنها هي جزء من تاريخ بلادنا السياسي وتاريخ نخبها الذي لم يكتب جله لحد الآن، ومنه تاريخ هذه المجموعة التي أسست هذا الفصيل العسكري المتمرد رغم أن السواد الأعظم ممن أسسوها لا يزالون شبابا وفاعلين في الحياة؛ بل منتشرين بين الأحزاب والتيارات.. ويقول المثل الحساني "ال باغ يكذب إبعد اشهودُ".
كما قلت لك بعد مجيء الأخوين انتشرت الأخبار التي حملاها كالنار في الهشيم بين الشباب الموريتاني رغم وتباعده وتناثر أفراده على التراب الليبي.. وبدؤوا التوافد إلى العاصمة (طرابلس) يعقدون اجتماعاتهم التي انبثقت منها سريعا فكرة تأسيس جبهة عسكرية وسياسية لتحرير موريتانيا هدفها إسقاط النظام بالقوة، ولم يبق إلا البحث عن مكان الانطلاق وحاضنة له.
سؤال: كيف توفر المطلبان؟ 
جواب: في البداية اقترح أحدنا -وهو الزميل إسلم ولد ذو النورين- تقديم التماس إلى الجمهورية العربية الليبية لدعم الجبهة، ورأى أنها مستعدة لتوفير مكان وشروط الاجتماع؛ لكن الأغلبية استبعدت هذا الاقتراح وطالبت بالبحث عن مكان "محايد" لا يشعر فيه منا أحد بالضغط من هذا الطرف أو ذاك، وبعد نقاش مطول وقع الاختيار على سفارة الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بطرابلس، وحين تقدمنا إليهم بالطلب وافقوا على الفور، وتم عقد الاجتماع الأول مساء 19 من يونيو 1977 بحضور ما يزيد على ثلاثين شابا جنسياتهم موريتانية جميعا، وفي الاجتماع تم الاتفاق على كتابة برنامج عمل طلب الجميع أن يكون خفيفا، وأساسه البحث عن كيفية الحصول على جهات تتولى التدريب العسكري، وأخرى تدعمنا من أجل الوصول إلى التراب الموريتاني الذي يجب أن يعقد عليه مؤتمر الجبهة الأول في فترة لا ينبغي أن تزيد على السنة، ولهذين الغرضين شكلت لجنة للمتابعة والتنفيذ وتألفت من: محمد محمود ولد سيدي، محمد عبد الله ولد الطالب أحمد، إسلم ولد ذو النورين، سيدي محمود ولد سيد أحمد، محمد ولد آكاط، الطالب ولد يوسف، سيد بوبكر ولد يوسف رحمه الله. واعتبرت هذه اللجنة هي القيادة المؤقتة للجبهة حتى انعقاد المؤتمر.
سؤال: هل قدمتم لها توصيات حول الجهات التي ستتولى التدريب؟ 
جواب: الخيارات -في واقع الأمر- لم تكن كثيرة؛ فهي محصورة في الجمهورية العربية الليبية أو الجزائر؛ وبما أن الأولى ليست لها حدود مع موريتانيا فقد كان الخيار الوحيد هو الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
سؤال: كيف تم التنسيق معها، هل أرسلتم إليها مبعوثين، أم هي كانت قريبة مما يدور؟ 
جواب: على كل حال هي لم تكن بعيدة عنه يقينا؛ لكننا نحن أرسلنا إلى السفارة الجزائرية ثلاثة من عناصرنا هم: محمد محمود ولد سيدي، إسلم ولد ذو النورين، الطالب ولد يوسف. وحين التقوا بالسفير وافق لهم على الفور وأبدى استعداد الحكومة الجزائرية لدعم الجبهة غير المشروط على كل الأصعدة؛ لكن الثلاثة حين عادوا بهذه النتيجة انتابت المجموعة مخاوف من أن تكون ضمانات السفير غير كافية، وطالبوا بأن تقدم لنا ضمانات شخصية من المرحوم هواري بومدين، وحين أعيد طرح هذا الأمر على السفير فاجأنا بعد ثلاثة أيام برسالة بخط الرئيس تؤكد كل الضمانات التي طالبنا بها.
سؤال: هل اطلعت شخصيا على هذه الرسالة؟ 
جواب: نعم اطلعت عليها، وتم تداولها على نطاق واسع بين المجموعة بكامل أفرادها؛ إذ بعد وصولها بدأت الاستعدادات على الفور للسفر نحو التراب الجزائري.
سؤال: هل كان ذلك برا أم جوا؟ 
جواب: كان برا بواسطة حافلتين ليبيتين وتموين كاف للرحلة التي دامت عشرة أيام؛ إذ خرجنا من نقطة "غدامس" الليبية في اتجاه معبر الحدود الجزائرية عند نقطة "الدبداب" حيث قابلنا ضابط جزائري برتبة مقدم وأخبرنا أنه لم يتوصل بخبر يخصنا، وعلينا الانتظار الذي دام خمسة أيام سمح لنا في الأخير منها بالعبور ومعنا ضابط برتبة مقدم أوصلنا بالحافلات إلى قاعدة "كولنبشار" العسكرية؛ حيث قضينا يومين لإجراء الاستمارات الفردية لكل واحد منا، وبعد ذلك توجهت الحافلتان إلى قاعدة عسكرية بمدينة تيندوف استقبلنا بها العقيد بالهوشات وأنزلنا في القسم الداخلي لثانوية مدينة تيندوف؛ وكان ذلك في العطلة الصيفية التي مر علينا منها شهران في القسم الداخلي لهذه الثانوية.
سؤال: مر شهران دون أن يتصل بكم أحد؟ 
جواب: طيلة هذه الفترة كان العقيد بالهوشات يتصل بنا من وقت لآخر ويخبرنا أن وفدا سياسيا رفيعا سيصل إلينا للتباحث؛ وهو ما تم فعلا في الثلث الأخير من شهر أغسطس 1977حين وصل الوفد؛ وكان برئاسة محمد صالح يحياوي منسق حزب جبهة التحرير الجزائرية وعضوية كل من: عبد المجيد قعود المسؤول في الحزب عن حركات التحرر وثالث لم أعد أتذكر اسمه ولا صفته، وكان مجمل ما حملوا إلينا هو أن الدولة الجزائرية مستعدة أن تدعمنا بكل ما تملك ما عدا الجيش الجزائري؛ ومجمل ما ذكرناه نحن هو أننا نعتبر أنفسنا ممثلي الجناح الغربي للثورة العربية وأننا استمرار للثورة الجزائرية. وبالمناسبة فقد كانت المجموعة موزعة بين ثلاثة توجهات فكرية هي:
الأول: جناح حزب البعث ويقوده الرفيق محمد عبد الله ولد الطالب أحمد ويضم إسلم ولد سيدي محمود، محمد ولد آكاط، سيدي محمد ولد حبيب، عبداتي ولد شغالي، سيدي محمود ولد سيد أحمد، وأنا شخصيا.
الثاني: الجناح الناصري وهو برئاسة إسلم ولد ذو النورين: المصطفى ولد الصديق، محمد عبد الله ولد سيد أحمد، محمد الأمين ولد سيد إبراهيم -رحمه الله- عبد الله ولد شعيب..
الثالث: مجموعة الكادحين وهي بقيادة الطالب ولد يوسف: محمد محمود ولد سيدي، سيد بوبكر ولد يوسف، عبد الرحمن ولد سيدي حمود.
سؤال: هل هذا الفرز كان معلوما لديكم في ذلك الوقت؟ 
جواب: لم يكن واضحا في البداية؛ لكنه مع مرور الوقت واحتكاك المجموعة اتضح تماما.
سؤال: هل كان الجزائريون على علم به؟ 
جواب: لا أعرف هل كانوا مطلعين عليه في البداية؛ لكن من المؤكد أنهم عرفوه جيدا في وقت لاحق.
سؤال: هل كان بصحبة الوفد الجزائري عناصر من البوليساريو؟ 
جواب: لا؛ ولكن بعد أسبوعين من عودة الوفد إلى الجزائر اتصل بنا العقيد بالهوشات، وأخبرنا أن الجيش الجزائري لا يتوفر على القدر الكافي من المدربين العسكريين الناطقين باللغة العربية؛ لذا فإنهم يقترحون علينا أن يقيموا لنا معسكرا مستقلا يتولى تدريبنا فيه عناصر من البوليساريو، فهم أحسن الجهات خبرة في حرب العصابات التي نحن بصدد خوضها، وقد كانت الفكرة مقبولة -من الناحية النظرية- فرضينا بها.
سؤال: متى بدأ التدريب؟ 
جواب: في يوم 20 من سبتمبر بدأنا الرحيل إلى مكان بين جبلين قريب من قاعدة الرابوني العسكرية، وفي يوم 22 بدأ أول درس عسكري- وأتذكر جيدا أنه كان عن الانضباط العسكري- وتوالت الحصص بكثافة تحت إشراف المسمى "سيدي بايونت" وهو لقب اشتهر به الأخ غير الشقيق للولي مصطفى السيد، وكان –بحق- صاحب مواهب كبيرة في التدريب والقيادة، وشارك في كثير من الدورات العسكرية؛ خصوصا في المعسكر الشرقي، وتخصصه الذي كان يقدم فيه درسه العسكري: هو فن القتال وأنواع السلاح، ويساعده فريق يضم كلا من: حمادي ولد فَرَجُ: مدرس الهندسة العسكرية، "أفيتح" واسمه الحركي "سيمون آكي" لشبهه به (وزير خارجية ساحل العاج في ذلك الوقت) وهو مسؤول: النظام المنظم وتعني السير المنتظم للصف العسكري، ومجموعة أخرى منهم أستاذ الرياضة, وأستاذ علم الخرائط.. وآخرون؛ بالإضافة إلى خمسة عشر حارسا للمعسكر وطبيبه الذي يدعى "بوشيبة".
كان التدريب شاقا وحصصه متواصلة على نحو كثيف ومرهق.. يبدأ بالرياضة من الخامسة فجرا حتى الساعة الثامنة، ولا يتوقف إلا للصلاة. وبعد الإفطار -ومدته ربع ساعة- تبدأ الدروس النظرية حتى الساعة الثانية، ثم العودة إلى الغداء، وغالبا ما نعود إلى المعسكر قبل إكماله؛ إذ على كل واحد منا حين يسمع الصفارات أن يلتحق بساحة العرضات وهو بكامل هيئته العسكرية مهما كان الأمر، ولا تنتهي الفترة المسائية إلا مع صلاة المغرب، وبين صلاة العشاء والمغرب نبدأ في مراجعة الدروس النظرية التي كتبناها في دفاترنا ذلك اليوم. وحين نعود لنأوي إلى مهاجعنا نادرا ما نتمكن من مواصلة النوم أكثر من ساعة؛ إذ الغالب أن توقظنا أصوات المدافع داخل المعسكر، وصفارات الإنذار. فالبوليساريو يعيشون في تلك الأيام تحت هاجس تهديد أطلقه الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، بأنه سيمارس حق مطاردة المهاجمين داخل التراب الجزائري وكانوا يقولون لنا عليكم أن تتوقعوا الهجوم الليلي المغربي في كل لحظة وتكونوا مستعدين له؛ مما يعني أنه كان على المجموعة -طيلة الأشهر الستة- أن تستيقظ في الليلة الواحدة مرتين أو ثلاثا تحت أصوات المدافع وتلتحق بساحة العرضات بمجرد سماع الصفارة أو إطلاق النار، وهو أمر كاد أن يذهب بعقول الكثير منا؛ خصوصا في بداية الأمر.
ومما يحير هنا أن المسمى "سيدي بايونت" يصحبنا في كل هذه المشاهد ولا ينام مطلقا ولا تبدو عليه آثار الإرهاق!!
سؤال: ما هي عقوبة من لم يلتحق بالساحة في الوقت؟ 
جواب: عقوبة قاتلة وشاقة تبدأ بالضرب "بالبايونت" على الظهر والمفاصل والركل وإجباره على الزحف على ركبتيه حتى يتسنم قمة الجبل الشاهق، ويعود والرصاص ينهمر حوله وأحيانا كثيرة -كما وقع لي- تتطاير أتربته وشظاياها لتملأ العين وتزكم الأنف.
سؤال: ما هي العقيدة العسكرية التي كانوا يدربونكم عليها؟ 
جواب: هي ذات العقيدة العسكرية للجيش الجزائري، وأن الخطر يأتي من الغرب ومن الأنظمة الرجعية، وأن علينا معرفة كل فنون حرب العصابات التي ستخلصنا وتخلص شعبنا من الاستعمار وأذنابه؛ مع التركيز على تطبيق النموذج الفيتنامي؛ وكنا نشحن بهذه العقيدة تحت تأثير الكلمات الحماسية لنشيد جبهتنا الوطنية الذي كنا نكرره صبحا ومساء، وعند دخولنا المعسكر أو خروجنا منه يقف الجميع لتحيتنا أثناء تأديته.
سؤال: ما هي كلمات هذا النشيد ومن قائله؟ 
جواب: صاحب الكلمات هو المصطفى ولد الصديق؛ وهي عبارة عن 14 بيتا أتذكر منها:
نحن شباب ثائرون ** لشعبنا ومخلصون
لا نرضى الضيم والخنى** ولن نرى مستسلمين
أمجادنا عريقة** وفي الأمجاد سابقون
أنسابنا إذ ننتسب** حفدة المرابطين
هدفنا القضا على** كل الطغاة العابثين
في أرضنا ومحقهم** فبئس مثوى الخائنين
نعم السلاح عزمنا ** فعزمنا ليس يلين
به نبني حتى نعمـ**ـر الأرض ونزين
كل مكان وسطها** بعد فساد المعتدين
طموحنا فوق السماء** وللخمول نابذون
سؤال: من لحن لكم هذه الكلمات؟ 
جواب: نحن من لحنها؛ لكننا كنا ننشدها وقت رفع العلم تحت موسيقى خاصة تعزفها فرقة موسيقية من فرق البوليساريو.
سؤال: ما هو شكل علم جبهتكم؟
جواب: لونه أزرق ويحمل رموزا ثورية.
سؤال: هل تمكنت المجموعة بكامل أفرادها من اجتياز التدريب؟ 
جواب: في الواقع المجموعة لم يتدرب منها إلا 27 بينما بقي إسلم ولد ذو النورين والطالب ولد سيدي أول الأمر بطرابلس، وسافر محمد عبد الله ولد الطالب أحمد، وسيدي بوبكر ولد يوسف إلى الجزائر قبل بدء التدريب ولم يعودا إلا بعد انتهائه في مارس 1978، ورغم أن اللياقة البدنية كانت متفاوتة وقدرة الاستيعاب كذلك؛ إلا أن المجموعة التي دخلت في التدريب تمكنت من إنهائه كاملة.
سؤال: ماذا فعلتم بعد نهاية التدريب؟ 
جواب: في غياب توفر ظروف انعقاد المؤتمر على الأراضي الموريتانية كما جاء في توصيات اللقاء الأول طالبت أغلبيتنا بعقده على التراب الجزائري، وباشرنا في التحضير له، وتم ذلك في يوم 30 يونيو 1978 ودامت جلساته ثلاثة أيام وانتخب هيئاته على النحو التالي:
المكتب التنفيذي:
الأمين العام: محمد محمود ولد سيدي
الأعضاء: محمد عبد الله ولد الطالب أحمد، إسلم ولد ذو النورين، محمد ولد آكاط، وثلاثة آخرون لا تحضرني أسماؤهم الآن.
المكتب السياسي:
الرئيس: إسلم ولد ذو النورين
الأعضاء: إسلم ولد سيدي محمود، المصطفى ولد الصديق، عبد الرحمن ولد سيدي حمود، خطري ولد عمار.. وآخرون
هيئة الأركان العامة
الرئيس: أنا شخصيا، ونائبي سيدي محمد ولد حبيب.
سؤال: لماذا تم اختيار محمد محمود أمينا عاما، وهل كان ذلك بالإجماع؟ 
جواب: اختير لأنه شاب مثقف وفي غاية الشجاعة ويمتلك وعيا سياسيا كبيرا، بالإضافة إلى كثير آخر من خصائص القيادة، وقد انتخب بالإجماع الكامل.
سؤال: لماذا تم اختيارك أنت لقيادة الأركان وأنت من أصغر المجموعة سنا؟ 
جواب: كنت متميزا في الدرس العسكري، وتفوقت في الامتحان، وكان المشرفون على التدريب يضربون المثل بلياقتي واستيعابي للدروس. وقدمني "سيدي بايونت" مرات عديدة لشرحها، ومر التدريب كاملا دون أن أعاقب على تأخر في فهم واستيعاب العقيدة القتالية التي كنا نتدرب عليها.
سؤال: معنى هذا أنه هو من أوصى بتعيينك في المنصب؟ 
جواب: أبدا.. في ذلك الوقت كانت المناصب توزع حسب من ترى المجموعة أنه يستحقها، لا شيء غير ذلك؛ فالمهمات كانت تكليفيه وليست تشريفية، فنحن مقبلون على حرب العصابات، والعمل المسلح.
سؤال: بعد نهاية المؤتمر ماذا حصل؟ 
جواب: حرر محضر بيان السياسية العامة للجبهة وهذه الهيئات المنتخبة وأرسل إلى السلطات الجزائرية، مع طلب عاجل بضرورة تنظيم سفر لاثنين منا إلى جنيف للإعلان عن جبهتنا. وأثناء انتظارنا لجواب السلطات الجزائرية الذي دام أكثر من أسبوع بقليل، وقع الانقلاب العسكري الأول في موريتانيا (10 من يوليو 1978) ودخلت المنطقة في مرحلة جديدة تماما ودخلت معها قضيتنا التي كانت جزءا من إفرازات المرحلة السابقة نفقا لا يلوح نور في آخره. وهو ما جعلنا نقرر التريث لمعرفة مآل الأمور، وبمرور شهرين دون تغيير كتبنا رسالة جديدة للسلطات الجزائرية نطلب فيها إرسال من نتباحث معه في مصيرنا، وكانت مفاجأتنا أن جواب تلك الرسالة وجواب سابقتها جاءا على يد عناصر من جبهة البوليساريو أكدوا فيه على نحو واضح وصريح أن الجزائر لم تعد مهتمة بقضيتنا إطلاقا وعلينا أن ندرك ذلك جيداََ. وفي الواقع لم يكن أمامنا خيار غير أن طلب بعض منا الدخول في إضراب عن الطعام، وهو ما استجابت له المجموعة واستمر مدة 12 يوما، انتهى بوصول وفد آخر من البوليساريو لتقديم التزام بتسوية وضعيتنا عاجلا.
سؤال: هل تضررتم بدنيا من هذا الإضراب؟ 
جواب: هناك أضرار، لكنها لم تكن بالغة؛ باستثناء ما حدث لعبد الله ولد شعيب الذي لم يعد بإمكانه التحرك ولا النهوض، ورغم وعد وفد البوليساريو العاجل فقد مر وقت طويل لم يأتنا أحد. وفي بداية عام 1979 وصل الوفد؛ لكنه حمل من الأخبار ما لا يحمل الفرج، وهو أنهم يعتبروننا جنودا مدربين أصبحت لديهم دراية واسعة بخرائط المنطقة العسكرية ومواقعها القتالية ومن الخطر على البوليساريو والصحراويين تركنا نذهب إلى حيث يمكن أن تتلقفنا المملكة المغربية وتستفيد من خبرتنا في قتالها للجبهة. ولذا كانوا صريحين معنا وقاسين وجارحين كحد السكين حين قالوا: اعتبروا أنفسكم اليوم أسرى ومعتقلين لدى جبهة البوليساريو، فهذه هي الحقيقة.
سؤال: هل تغيرت معاملتهم لكم بعد هذا الخبر؟ 
جواب: طبعا؛ وبشكل كبير.. فلم يعد يصلنا من الدخان إلا لفافتان بدلا من علبة في اليوم، واختفت اللحوم نهائيا من طعامنا الذي اقتصر على وجبة الغداء مكونة من العدس المغلي في الماء الخالص: بدون ملح، بدون توابل، يؤكل بقطعة صغيرة من الرغيف ووجبة للعشاء يبدل فيها العدس بالأرز ولا توجد وجبة فطور، ثم إننا نحن من كان عليه أن يحضر هذا الطعام بعد أن يذهب فريق الطبخ اليومي مسافة 15 كيلو مترا لجلب الحطب على العواتق، وانقطعت صلتنا بالعالم الخارجي بعد سحب المذياع الوحيد الذي كان يربطنا به وانغمرنا في صحراء لحمادة وبردها القارس وحرها الشديد، لا يخالطنا إلا سكان المعتقل من القمل والحشرات والأتربة والغبار.. وفي هذا يقول المرحوم محمد الأمين ولد سيد إبراهيم:
فارغْلِ عَدتْ الباتْرِ** مانٍ سامعْ لِذاعَ
البردْ أُلكْمَلْ واتْرِ** ما يعطُ عنّ ساعَ
وفيه يقول سيدي محمد ولد حبيب مؤرخا بشكل فني دقيق لمدة الاعتقال ومعاناته:
يالناس شوف وسيلَ** نَجْبَرْ بيهَ نضالِ
مسجونْ سنة طويلَ** واشهور خمس طوالِ
أي سنة 1979 والأشهر التي تبقت من 1978 بعد الانقلاب في يوليو.
وفي هذه السنة وأيامها المتطاولة الكئيبة أنتجت قرائح مجموعتنا كثيرا من الأدب الحساني والفصيح في وصف هذه المعاناة ربما يحتاج إلى من يدونه وهو أمر سهل لوجود أصحابه اليوم وسهولة الاتصال بهم.
بعد سنة من المعاناة بدأ التفكير يقودنا للبحث عن وسيلة نوصل بها خبرنا للعالم الخارجي، ولم يكن ذلك ممكنا إلا من خلال تمكننا من تهريب عنصر -أو عناصر- إلى خارج الجزائر، وهي مهمة مستحيلة؛ لكننا بدأنا التفكير الجدي فيها بعد نقاش صامت وحازم، واخترنا لهذه المهمة كل من: الأمين العام للجبهة محمد محمود ولد سيدي، ومحمد ولد آكاط؛ لشجاعتهما أولا وللياقتهما البدنية ودرايتهما بعلم الخرائط، ولما يتمتعان به من قدرة على توصيف وضعيتنا في حال تمكنهما من الخروج..
وكنا نعلم جيدا أن المسافة التي تفصلنا عن الحدود الصحراوية التي توجد بها القوات الموريتانية أو المغربية لا تقل أكثر نقاطها قربا عن 150 كيلو مترا؛ أي أنها تحتاج إلى خمسة أيام من السير.. وهو ما يتطلب توفير مؤونة كافية للمعنيين من خبزنا اليومي وتجفيفه وطحنه وتجهيز ما يحمل فيه وتوفير قنينتين بلاستيكيتين سعة كل واحدة منهما 10 لترات بمعدل لترين لليوم للفرد؛ وهي كمية قليلة في مناخ صحراوي شديد الحرارة يريد صاحبه قطع 50 كيلو مترا في اليوم؛ بالإضافة إلى خريطة عسكرية نسيها المشرفون على التدريب عندنا، وبعد تجهيز هذه "الميرة" بقينا ننتظر الفرصة المناسبة وهو ما لم يتأخر بعد أن هبت عاصفة رملية هوجاء ذات لون زعفراني يحوله سواد الليل إلى لون أحمر قانٍ.. فقررنا أن نتحرك وتم اختياري أنا وخطري ولد عمار لمساعدة رفيقينا على الهبوط من قمة الجبل إلى سفحه، وحين أنزلناهما وأحكمنا ربط التجهيزات على ظهريهما ودعناهما وهما يسبحان في بحر من الرمل والظلمات، ورجعنا يلفنا الحزن والخوف على مصيرهما، وكانت مهمتنا الأصعب في ذلك هي تغطية غيابهما عن الحراس في الصباح؛ ولكننا نجحنا لمدة ثلاثة أيام في ذلك، حتى نهاية اليوم الثالث حين اقتحم المعتقل رئيسه الذي خلف الأخ غير الشقيق للولي ويسمى " السي موناكي" وسألنا عن رفيقينا بأسمائهما الحركية المتداولة داخل المعسكر: قائلا: أين الحاج (ويقصد محمد محمود) وأين الحسن؟ (ويقصد محمد). في البداية تظاهرنا أن المعنيين موجودان؛ ولكن حين تأكد لنا علمه بغيابهما صحنا محملين إياه المسؤولية في اختطافهما، فلم ينبس بكلمة وتوجه مسرعا إلى قاعدة الرابوني.
سؤال: ما هو مصير رفيقيكم؟ 
جواب: تمكنا بطريقة بارعة وأسطورية من قطع مسافة 200 كيلو مترا في أربعة أيام -وفي الاتجاه الصحيح- وفي اليوم الخامس نفد ما عندهما من ماء وتأكدا أنهما قريبان من نقطة "المحبس" التي كانت معلوماتهما السابقة تفيد بأنها خاضعة للسيادة المغربية فقررا التوجه إليها وتسليم نفسيهما؛ لكن المفاجأة المأساوية كانت حين عرفا أنهما سلما نفسيهما لقوة من البوليساريو تسيطر على المحبس بقيادة محمد سالم الملقب "ساليزار" تشبيها له بالانقلابي البرتقالي الدموي الشهير. أما المفاجأة الثانية فكانت أنه عاملهما معاملة لطيفة وأعادهما إلى المعتقل حتى دون تحقيق.
سؤال: ما هو واقع هذا الإخفاق على معنوياتكم؟ 
جواب: كان كبيرا وكاسحا وأثر حتى على تعايشنا كمجموعة حين انقسمنا إلى ثلاث فرق طلبت كل واحدة منهما السماح لها ببناء معتقلها الخاص، وبدأت موجات اليأس والقنوط والمرض تهاجمنا أفرادا ومجموعات.. وأخطر تلك الأمراض مرض العشى الليلي، وكنت أول المصابين به. وشمل نصف المجموعة التي لم يعد بإمكانها التحرك في الليل إلا بمساعدة من يقودها، بسبب النقص الحاد في الفيتامينات.
وأنبه هنا إلى أنهم جاؤوا إلينا في بداية 1980 بعناصر موريتانية أخرى التحقت بالبوليساريو 1979 لكن الطرفين اختلفا وقررت البوليساريو سجنهم معنا؛ وهم: الشيخ ولد الخليفة، محمد ولد سيد أحمد، خطري ولد امين رحمه الله، شقيق الوزير السابق، إدريس افال، وخامس لا أذكر اسمه. وبعد التحاقهم بنا انضموا إلى مجموعتين قررتا العودة للتعايش في مجموعة واحدة وقرر أصحابها لاحقا تنظيم مسيرة احتجاجية على أوضاعهم، وربما يكون ذلك باقتراح من بعض عناصر المجموعة الجديدة، وبما أن الخيارات محدودة فكل ما يتاح منها يصبح مقبولا على الفور؛ لذا نظموا مسيرتهم في اتجاه الرابوني وكانوا في حدود 25 شخصا واجههم الحراس بدموية كبيرة وقسوة شديدة، وأطلقوا عليهم الرصاص الحي مباشرة، أصابت واحدة منه المرحوم محمد الأمين ولد سيد إبراهيم في أسفل البطن ففارق الحياة فورا وجرح محمد محمود ولد عبد العزيز جرحا بالغا واقتيد الباقون مقيدين في الأصفاد إلى حفرة كبيرة حفرها سابقا جراف كان يعمل في المنطقة. ووسط هذا المعتقل أذيقوا من العذاب ما لم نسمع عنه في أشهر معتقلات العالم سادية وفتكا.
سؤال: هل تعرفت عن قرب على المرحوم محمد الأمين، وما هي ملامح تكوينه رحمه الله؟ 
جواب: لم ألتق به إلا في صحراء لحمادة؛ فقد وصل إلينا قبل المؤتمر بأسابيع قليلة، وكان متقد القريحة واسع الثقافة قوي الذاكرة راوية للشعر وأيام العرب وله دراية كبيرة بعلوم اللغة والنحو؛ فهو خريج محاظر ودرس بمعهد أبي تلميت، والتحق بمعهد "هايتي" للزراعة في طرابلس، وفي سنته الثانية التحق بنا؛ وكان فتى المعسكر وشاعره. وقد قال "كافه" المشهور يوم التحاقه بنا -رحمه الله- يوم كانت المعنويات عالية، وقبل أن يتحول الحليف والحاضن إلى عدو قاتل لا يرحم:
الثورة شوفُ جيلهَ** جاكمْ يَنشرْ دليلُ
الامبريالية ويلْهَ** والحكم الرجعي ويلُ
سؤال: أين كانت المجموعة الثانية التي كنت صمنها؟ 
جواب: لم نشارك في المسيرة الاحتجاجية؛ لأننا لم نكن على علم بأمرها، وحتى لو علمنا بها ما كنا أيدنا تنظيمها؛ فنحن أدركنا أن محمد ولد عبد العزيز (زعيم البوليساريو) ليس معنيا بقضيتنا إطلاقا؛ فهي قضية جزائرية أكبر بكثير منه مثل قضية الصحراء نفسها.. وفاجأنا صوت الرصاص يخترق أجساد رفاقنا المنهكة الهزيلة، ورأينا تجمهر عناصر منهم لحمل المرحوم محمد الأمين والآخر الجريح محمد محمود ولد عبد العزيز، وحين حاولنا الالتحاق بهم لمعرفة الأمر منعتنا عناصر الحراسة من ذلك تحت تهديد الرصاص المصوبة بنادقه نحو صدورنا؛ كما منعتهم هم من العودة إلينا وباشروا نقلهم إلى جهة مجهولة تأكدنا أنهم ذاهبون لتنفيذ إعدام جماعي في حقهم وعادوا مساء لنقلنا نحن إلى مدرسة 12 أكتوبر؛ وهي مدرسة عسكرية شهيرة عندهم وداخلها قابلنا وفد برئاسة محفوظ ولد اعلي بيب وعضوية المصطفى ولد ابوه الملقب البرازاني، وآخرين.
حاول الوفد أولا تقديم "اعتذار" عما فعلوا برفاقنا لأنهم كانوا يعلمون بشاعته الإنسانية، وتعبيره عن روح القتل العدوانية اتجاه مجموعة من العزل، انخدعت بشعاراتهم التحررية والثورية وجاءت إلى جنوب الجزائر في إطار اتفاقية للتدريب ومشاركتهم معركتهم فتحولت إلى قطيع من السجناء، يصطاد كالأرانب إن هو احتج على أوضاعه المزرية. بعد ذلك قدموا لنا خيارين اثنين: الأول -وهو ما يقترحونه علينا- أن ننضم لجبهة البوليساريو كمقاتلين من أجل تحرير أراضيها المحتلة من طرف المغرب، والخيار الثاني هو العودة إلى المعتقل باعتبارنا سجناء حتى تحرير آخر شبر من الأراضي الصحراوي. طلبنا منهم مدة للتفكير، ولما انقضى الأسبوع الثاني اعتبروا ذلك رفضا لمقترحهم وأعادونا إلى المعتقل وتزامن قدومنا إليه مع قدوم المجموعة الثانية منهكة بالتعذيب والأعمال الشاقة كما يبدو من أجسادها المكدودة، وآثار التعذيب الوحشي. وما بين هذا التاريخ -وهو مارس 1980- و16 مارس 1981 خضعنا جميعا لاستسلام قدري في ظروف المعتقل الكئيبة وروح رفيقنا المخيمة على أجوائه وليله المخيم على ذري جبل أمعز أجرد من جبال لحمادة الكالحة التي تذكر رؤيتها بأبيات المعتمد بن عباد حينما رأى جبال " دَرَنْ" في المغرب قرب منطقة "أغمات" التي سجنه فيها يوسف بن تاشفين حتى توفي فيها:
هذي جبال "دَرَنِ** قلبي بها ذو دَرَنِ
يا ليتني لم أرها** وليتها لم ترني
كأنها تخبرني** بأنها تقبرني
سؤال: قلت: بقينا حتى مارس ماذا حدث في 16 مارس 1981؟ 
جواب: هو يوم انقلاب كوماندوز عبد القادر (كادير) الفاشل على ولد هيدالة، ولم نعلم به طبعا؛ لكننا توصلنا في مسائه بملابس عسكرية جديدة لأول مرة نتسلمها منذ 1978 كما لاحظنا ذبح ثلاث شياه قرب المعتقل، وبعد إخلادنا للنوم، أيقظنا الحراس وطلبوا منا الصعود إلى مركزهم، وهو إقامة كبيرة من مجموعة بيوت نحن من بناها مرغمين في وقت سابق، استقبلنا وفد لا نعرف منه أحدا وسألنا رئيسه إن كانت قد وصلتنا أخبار موريتانيا أم لا، فأجابه محمد محمود ولد سيدي: نحن لم تصلنا أخبار "الرابوني" منذ سنتين فكيف بأخبار موريتانيا؟! واصل الحديث بعد أن قدموا لنا اللحم اللذيذ لنأكل منه لأول مرة منذ عامين ووزعت السجائر بوفرة والتبغ الأسود (أمنيج) على من يدخنه وقال رئيس المجموعة وهو ينظر إلينا وأفراد مجموعتنا يدخنون بدون لباقة سجائر "المجاهد" الجزائرية يطفئون بها ظمأ عامين من "آتر": إن موريتانيا وقع فيها انقلاب فاشل دبره المغرب ومن المؤكد أن الحرب بين الدولتين قادمة لا محالة؛ ونريد منكم اليوم الاستعداد واللحاق ببلادكم للدفاع عنها في وجه الأطماع التوسعية المغربية باعتباركم مدربين وجاهزين لتلك المهمة على أحسن وجه.
ولا شك أنه لمس على نحو واضح منا الترحيب القوي بهذه الفكرة فودعنا مسرعا، وعدنا إلى عنبرنا الكئيب وخيوط الصباح ترسل أشعتها حول المعسكر وعمود الصبح ينتشر في نهار جديد في لحمادة أفقه مختلف؛ إذ في مسائه -وكان يوم 17 مارس- نقلنا إلى مخيم قريب جهز لاستقبالنا بقينا فيه يومين ثم أوقفوا في مساء اليوم الثالث شاحنة عسكرية كبيرة تحركت عجلاتها الضخمة في اتجاه الجنوب الغربي، وبعد ثلاث ساعات من السير دخلنا وسط كتيبة عسكرية مجهزة لمرافقتنا وطلبوا منا النزول وأخذوا يعطون كل واحد منا دراعة من الشكه، وسروالا، ولثاما، ونعلا استقبلتها أرجلنا الحافية منذ ثلاث سنوات بارتباك شديد.. فهي لم تعد قادرة على التكيف معها؛ خصوصا أنها وزعت جزافا دون مراعاة المقاييس والأحجام.
بعد الانتهاء من هذا التوزيع لاحت ملامح تعيد إلينا كما هائلا من الكوابيس الثاوية في أعماقنا من معتقل لحمادة؛ إذ لاح وجه مدربنا السابق "سيدي بيونت" الأخ غير الشقيق للولي مصطفى السيد وقال بشكل مقتضب ونبرة حازمة: "ها نحن نودعكم ذاهبين إلى أهلكم، وليكن في علم كل واحد أن ما جرى لكم مع البوليساريو أمر يخصكم أنتم والبوليساريو ومن تحدث عنه فلا يلومن إلا نفسه، ولتدركوا جيدا أن ذراعنا طويلة وستصل إليه حتى لو عاد إلى بطن أمه" حسب عبارته. لم يخاطبه من المجموعة إلا أمينها العام محمد محمود بجرأته وشجاعته المعهودة: وبادره بالسؤال: ولكن قبل ذلك كله -أي قبل توزيع الملابس والوصايا- نود منكم تسليمنا رفات رفيقنا الشهيد محمد الأمين ولد سيد إبراهيم!! خيم جو من الوجوم والحزن علينا جميعا ولم يتفوه سيدي بكلمة واحدة وأشاح بوجهه عائدا من حيث أتى وعدنا نحن للشاحنة التي مخرت بنا عباب الصحراء لمدة ثلاثة أيام أوصلتنا بعدها إلى مسافة 04 كيلو مترات من ازويرات؛ حيث كان النقيب ابريكه ولد امبارك قائد المنطقة العسكرية في استقبالنا وأدخلنا الثكنة ولم يزد على السلام إلا بأن أعاد ذات العبارة التي قالها "سيدي بايونت" عند توديعنا بل أضاف أن من سولت له نفسه الحديث عما جرى سيجعله هدفا في حقل الرماية (يبنيه شاره) وكنا نأخذ تحذيره على محمل الجد لإدراكنا فيما بعد مدى نفوذ البوليساريو على القرار السياسي والأمني الموريتاني في تلك الظروف.
سؤال: بعد عودتكم إلى بلادكم هل وجدتم صعوبة في الاندماج؟ 
أنا شخصيا لم أجد ذلك؛ فقد سافرت إلى الأهل في لبراكنة لمدة أسبوعين وعدت للعمل السياسي مع مجموعتي السابقة، من خلال اتصال أجراه معي المرحوم الشاعر فاضل أمين الذي كان مسكونا بحب الثورة والتضحية وقيم الفداء وخلد ذلك في شعره. ولاشك أن علاقة المجموعات السياسية عموما مع النظام كانت في بداية تحولها الحاد نحو التصادم، بعد أن بدأت حركة العاشر من يوليو تتخلى عن شعاراتها واحدا تلو الآخر.. خصوصا مبدأ الحياد في الصحراء وتحول النظام إلى تابع ومنحاز لجبهة البوليساريو، وعدم قطعه خطوات في سبيل إقامة مؤسسات ديمقراطية وإنقاذ اقتصاد البلاد كما جاء في البيان الأول للانقلاب؛ هذا التصادم بدأ مع مجموعة البعثيين وترجمته اعتقالات أغسطس 1981 التي شملت كلا من: ممد ولد أحمد، فاضل ولد سيدي هيبة، محمد ولد حمادي، التراد ولد ديداه، التراد ولد سيدي، وفي ذلك يقول فاضل أمين قصيدته الجميلة التي يصف فيها خيبة أمل القوى السياسية من حركة العاشر من يوليو؛ وهو الذي كان مجدها في السابق:
لملم شتاتك يا شعبي ترى العجبا** إن الزمان الذي تبغي قد اقتربا
جيش من النور في الآفاق مطلع** وجحفل من جراد الكفر قد غربا
لكن خيبة الأمل التي بدأت بخنق الحريات وسجن المواطنين جعلته يقول:
أزف الوعد فاقبلي يا رباب** طال ليل النوى وطال الغياب أزف الوعد كم مدارا طوينا** كم مجازا تراءى فيه السراب
قطعته الركاب حتى حسبنا** بعد أن ليس بعده ما يجاب
نحن أبقى من الضباب وأغنى** نحن شمس لم يفترعها ضباب
فاحمل الهم يا رفيقي وهيا **إنما يصنع الحياة الضراب.
واستمرت ظروف البلد على ذلك النحو بعد أن تخلت المجموعة العسكرية بقيادة هيدالة عن شعاراتها واحدا تلو الآخر ودخلت البلاد من جديد أحلك مرحلة من مراحل خنق الحريات والاعتداء على المجموعات والأفراد؛ بدءا بالبعثيين الذين اتسعت دائرة اعتقالهم لاحقا لتشمل العشرات يوم 17 مارس 1982، وكنت من المطلوبين.
سؤال: هل دخلت السجن؟ 
جواب: لا؛ فقد تمكنت من التخفي لمدة أشهر ثم خرجت متنكرا إلى السنغال وعدت إلى منطقة لبراكنة، وعند النطق بالحكم 03 يوم أكتوبر 1983 صدرت علي غيابيا خمس سنوات مع الأعمال الشاقة فقررت الخروج من جديد إلى السنغال ومنه إلى بغداد للاستئناف رغبتي الأصلية في إتمام دراستي. وعند وصولي تقدمت بطلب الالتحاق بالكلية العسكرية الوحيدة في بغداد، فقبلوا مشاركتي في امتحان الدخول مع مجموعات كبيرة من الطلبة العرب وكنت في مقدمة من اجتاز الامتحان وبدأت الدراسة التي دامت سنوات 1984 ـ 1985ـ 1986 ـ 1987.
سؤال: وهل بقيت في بغداد أم عدت إلى موريتانيا؟ 
جواب: الحكومة العراقية تعطي الخيار في البقاء والالتحاق بالجيش العراقي أو العودة لمن أراد، وقد فضلت الخيار الأخير وعدت في بداية العطلة الصيفية 1987. وبعد وصولي بأيام تقدمت إلى العقيد محمد الأمين ولد أنجيان وسلمته نسخة من شهادتي للالتحاق بالجيش الوطني فقبل بشرط أن أحرر له تعهدا مكتوبا بالتخلي النهائي عن السياسية.
سؤال: هل كتبت ذلك؟
جواب: نعم، فقد كان لقاؤنا داخل مكتبه في الأمانة الدائمة للجنة العسكرية، وعدت إلى البيت وحررت التعهد وسلمته إياه في اليوم الموالي وبقيت أنتظر، في انواكشوط دون عمل ولا أمل فيه، مما دفعني إلى التفكير في الأعمال الحرة لإعالة أسرتي وأبنائي.
سؤال: ألم تجد فرصة للعمل داخل أجهزة الدولة؟ 
جواب: لم أجد صلة بالدولة ولا بسلطاتها إلا ظهيرة يوم 06 أغسطس 1988 حين أفقت من نومة خفيفة في بيتي المكون من غرفتين من الزنك أستأجرهما في تيارت. أفقت على كل من: انكوده ولد هدار، والحسن ولد كرام، وبزوم، وجاكيتي يقتحمون غرفتي الداخلية ويقتادونني إلى إدارة أمن الدولة في لكصر حيث كان ينتظرنا دداهي ولد عبد الله والكراني ولد محمد محمود ومحمد الأمين ولد احمد.
سؤال: وماذا جرى بعد ذلك؟ 
جواب: طلب مني المفوض دداهي أن أقدم ما لدي من معلومات عن تنظيم سري أشترك في قيادته، فسألته ما طبيعة هذا التنظيم، فنادى باللغة الفرنسية على المدعو الشهير "امبودج" تعالى اذهب به، وكنت أتصور أنني ذاهب إلى غرفة أو مكان للاحتجاز، لكنني وأنا ألج الغرفة واجهني المحامي محمدي ولد باباه خارجا منها وعليه آثار الدماء وتعذيب آلة "الجاكوار" التي كان دور ركوبها ينتظرني بشغف كما عبرت ملامح "امبودج" وقبله دداهي. طلب مني امبودج بلهجة حازمة نزع ثيابي بسرعة فنزعت الدراعة وتوقفت لكنه طلب نزع القميص والسروال لأبقى مثل يوم ولدتني أمي وهو ما كان، ومثل الكواسر والوحوش تحلقت حولي مجموعة ملثمة وضعتني بمهارة متناهية على قضبان آلة "الجاكوار" الحادة وبقيت متدلي الرأس حوالي ما حسبته أياما وهو في الواقع ساعات بدأت أفقد الوعي وبدأ لساني يتدلى كالذبيح، فأنزلوني وأعادوا إلي ملابسي الداخلية وعدت إلى التحقيق ثانية مع المفتش صنبار بحضور دداهي، ثم أعادوني إلى" الجاكوار" لمدة أقل من الأولى قبل أن أفقد الوعي، ثم عدت إلى التحقيق في حدود الرابعة فجرا وكانت تتناهى إلى سمعي أصوات التعذيب تنبعث من الغرف المجاورة، وسأعرف فيما بعد أن رفاقي محمد يحظيه ولد ابريد الليل، ممد ولد أحمد، محمدي ولد باباه، المختار ولد السالك، الداه ولد الحسين، الحافظ ولد الجكني، وثمانية وأربعين معهم كانوا يتناوبون على حصص التعذيب وصعود "الجاكوار".. جماعات وفرادى أحيانا. أدخلوني غرفة مظلمة خالية من الفراش، مليئة بالبعوض والحشرات بأنواعهما (الصراصير، العناكب..) أمضيت فيها ذلك اليوم، والذي يليه حتى اليوم الرابع بدون طعام، وكان كل ما يصلني هو كأس ماء بعد الطلب. وفي نهاية ذلك اليوم أعادوني إلى دداهي للتحقيق، ومنه إلى "امبودج" و"الجاكوار" لكن هذه المرة سارعت من جانبي في نزع الملابس فطلب مني "امبودج" أن أترك الملابس الداخلية لا أنزعها، فصعدت ذلك الصعود الجهنمي الذي تزيده آلام جراح الحصص السابقة، والجوع والغثيان وانهيار الجسد الكامل، والإحساس بشعور السادية وحب التعذيب المنبعث من كل زاوية من زوايا ذلك المكان المعتم وساكنيه، فكنت أثناء التحقيق وأسئلته كثرا ما أسمع من المحققين: "موتك وموت ديك في الشارع عندنا سيان" ولن نعاقب عليه؛ فلن يكون سوى خطأ عمل "أكسيداه د اترافاي" كما كان ينطق. وقد كانت هذه هي آخر حصة من التعذيب؛ لكن التهديد به استمر طيلة أسابيع التحقيق الذي دام شهرا كاملا، نقلنا بعده إلى ثكنة اجريدة يوم 07 من سبتمبر 1988.
سؤال: ما هي أسئلة التحقيق وما هو نوع التهمة؟ 
جواب: أسئلة التحقيق كانت كلها تدور عن الأسباب التي جعلتني أسافر إلى بغداد ولماذا اختيار الكلية العسكرية، وما هي مهمتي بعد تخرجي؟ ثم ما علاقتي بتنظيم البعثيين في موريتانيا..
في البداية وأثناء جلسات التحقيق ومحاضره كانت التهمة هي محاولة القيام بانقلاب على النظام، ثم تحولت في المحكمة إلى تهمة "تأسيس تنظيم عسكري محظور في القوات المسلحة" ولا يخفى أن ذلك كله من ضمن التهم الجاهزة لدى الأنظمة للاعتداء على حرية المجموعات والأفراد؛ فقبل سنة من ذلك التاريخ -أي في يوليو 1987- حين اعتقلوا مجموعة من هذا التيار ونكلوا بها سجنا وتعذيبا.. قدم ادعاؤهم العام في المحكمة لهؤلاء تهمة "خطف القصر وتنظيم جمعيات الأشرار"!!؟ وفي سنة 1995 ستوجه لمجموعة كبيرة أخرى تهمة " التجسس على نقاط حساسة في الدولة" وفي 2003 ستخترع قصة "اكراب" وكلها تهم مفبركة للاستهلاك الدعائي وتبرير التصرفات العدوانية للسلطة اتجاه مواطنيها.
سؤال: متى بدأت المحاكمة؟ 
جواب: بدأت يوم 10 من سبتمبر 1988 ودامت خمسة أيام صدرت "أحكامها" مساء يوم 14 وبعدها بشهر تم نقلنا إلى مدينة تيشيت التي حولتها الأنظمة الموريتانية المتتالية -بدءا بالمختار ولد داداه حتى معاوية- إلى مكان رعب لأصحاب الرأي والخصوم السياسيين؛ معتدين بذلك على هذه المدينة وصورتها الرمزية في وجدان الشعب الموريتاني، حاضرة علم ومنارة تراث عربي إسلامي في المنطقة؛ فبدلا من ترميم مآذنها، وربطها بالعالم الخارجي حولوها إلى سجن رسمي قصي تطوع فيه أجساد وأرواح المتمردين حتى تعود إلى "عموم الرعية" هادئة ومطواعة.
سؤال: ما طبيعة سجن تيشيت، وكم أمضيتم فيه؟ 
جواب: سجن هذه المدينة هو أول سجن سياسي يرسل إليه المختار ولد داداه مجموعة من معارضيه، وكان ذلك 1959 حين أرسل إليه كلا من: بوياكي ولد عابدين، محمدن ولد إشدو، بنبه ولد اليزيد، هيبة ولد همدي، أحمد بابه ولد أحمد مسكة.. ثم توالت عليه دفعات السياسيين، وقد أخبرنا عنه محمد يحظيه ولد ابريد في اجريدة، فقد تناوب عليه في عهد محمد خونا ولد هيدالة مع رفيقه أعمر ولد المامي، وكل من الاثنين بقي فيه وحيدا مدة من الزمن وكان نزيل هذا السجن الموحش قبلنا بأسبوع "آتي همات" مدير الأمن السابق في زمن ولد هيدالة الذي أشرف على تعذيب وسجن النزيلين السابقين!!
والسجن عبارة عن قلعة كبيرة بناها الاستعمار الفرنسي 1911 من الحجارة والطين وبها 13 غرفة تحتفظ جدرانها برائحة المعاناة والقهر، لم تخضع لترميم من ذلك التاريخ، فجدرانها المتشققة تحولت مع الزمن إلى أوكار للأفاعي والعقارب والحشرات التي تشارك النزيل وتزيد من كوابيسه. وبعد وصولنا إلى القلعة / السجن بدقائق جاءنا الحاكم (لام مختار) وأمر أن تخصص لكل واحد منا غرفة يوصد عليه بابها بإحكام من طرف الحراس في الخارج؛ ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الحاكم "لام" أصدر أوامره الخاصة والشخصية بإغلاق جميع النوافذ بالطين والحجارة؛ وبذلك تحولت الغرف إلى قطع من الليل معتمة، إذا خرج منها السجين إلى الحمام لا بد له من التوقف عشر دقائق على الأقل لتعتاد عيناه على النور ويتمكن من الرؤية.. وما بين أكتوبر 1988 إلى مارس 1989 سقط مريضا كل من: ممد ولد احمد، الداه ولد الحسين، محمدي ولد باباه، يحي ولد عالي؛ نتيجة لسوء التغذية والأمراض الناجمة عن التعذيب. ونقل الجميع إلى مستشفى تجكجة، ولم يبق إلا أنا والرفيق الحافظ الجكني؛ حيث أمضينا بقية تلك السنة والأشهر الثلاثة الأولى من سنة 1990 قبل أن نحول إلى سجن مدينة تجكجة، وكانت ظروفه (سجنه) مختلفة تماما؛ فهو إقامة مريحة يتواصل أصحابها مع العالم الخارجي ومع كرم أهل هذه المدينة وعنايتهم الفائقة التي غمرتنا إلى درجة لم نعد نشعر معها أننا سجناء. فيوم قدومنا أرسلت لنا جماعة مسجد المدينة مبلغا كبيرا من المال ومؤونة كبيرة؛ بالإضافة إلى أننا من يوم قدومنا حتى مغادرتنا المدينة لم يعد الأكل يأتينا من طرف الوالي وإنما تكفل به الشيخ: النعمة ولد الطلبة رحمه الله، وكان طعاما فاخرا على الدوام، ولم يقم إطار من أطر هذه المدينة بزيارتها إلا زارنا وصحب معه المال واللباس لكل أفراد المجموعة. وقد بقينا على هذا النحو حتى يوم 07 مارس 1991 حين صدر العفو العام عن جميع السجناء.
سؤال: هل عاودت العمل السياسي بعد خروجك من السجن؟ 
جواب: لم أمارس عملا سياسيا مباشرا، وكنت قد حصلت على عمل في مدينة انواذيب حتى نوفمبر 1994 وبعد هذا التاريخ بسنة كنت من مؤسسي حزب "العمل من أجل التغيير".
سؤال: لماذا هذا الحزب دون غيره، وأنت المعروف باتجاهك القومي العربي؟ 
جواب: أول سبب لذلك هو قناعتي أن هذا الحزب هو حزب معارضة حقيقي للوضع السيئ القائم، ويحمل مشروعا سياسيا قابلا للتطوير.. خصوصا أن زعامته يتولاها مناضل أنا شخصيا أثق في كثير من خصاله، ويحمل مشروعا مجتمعيا يمنح الأولوية للطبقات الفقيرة والكادحة، وفي مقدمتها العبيد السابقون الذين لا يمكن النهوض بمجتمعنا دون تغيير جذري لواقعهم الاقتصادي والثقافي والاجتماعي؛ فداخل المدرسة السياسية التي نشأت فيها كانت الأدبيات الحزبية للبعث في موريتانيا تركز على هذه الفئة. وأذكر أن أهم وثيقة داخلية كانت تتداول عند البعثيين هي وثيقة "البعث ولحراطين" وهي سلسلة مقالات وبيانات رافق بها البعث حركة المطالب الاجتماعية لهذه الفئة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأظنها أول وثيقة سياسية في البلد بهذا الخصوص. ومن فقراتها التي علقت جيدا بذهني: "إن العبيد يعيشون عندنا وضعا جائرا يتميز بالجهل من ناجية والفقر من ناحية أخرى.. إن أغلبية أشقائنا العبيد تعاني من الجهل؛ لأن الفرص غير متاحة لها للتحصيل العلمي، ومن الفقر لأنها -في المفهوم العرفي لمجتمعنا- لا تملك، لأنهم هم أنفسهم ملك لأسيادهم؛ وخاصة إرثهم الذي يعود –بمنطق هؤلاء- إلى الأسياد؛ الشيء الذي جعلهم يزهدون في التملك وتحصيل الأموال وادخارها. إن هذين العاملين يؤهلان الحراطين لأن يلعبوا الدور الأكثر ثورية في مجتمعنا الحالي المقدم على تطورات مهمة في إطار مكافحة ظاهرة العبودية التي ينبغي أن يسهم كل طليعي ثوري في استئصالها من مجتمعنا" انتهى الاستشهاد.
كان هذا في نهاية السبعينيات؛ وهو –لعمري- تحليل عميق وتاريخي ومنصف، كما أكدت الأيام لاحقا.. واستمرارا لهذا كانت مسيرتي داخل حزب "العمل من أجل التغيير".
سؤال: ما هي أسباب خروجك منه؟
جواب: أنا لم أخرج منه إطلاقا؛ بل بقيت أناضل داخل صفوفه حتى يوم 02 /01/ 2002 حين حل النظام السابق هذا الحزب وحظر نشاطه على الساحة، لما شكله خطابه وفعله السياسي من تهديد جدي لرفض الخيارات السيئة التي كان النظام يدفع البلاد نحوها. وحين تم حل الحزب بقيت أحتفظ بعلاقات حميمة مع كل المناضلين داخله وأكن لهم كامل التقدير والاحترام؛ وفي مقدمتهم الرئيس والمناضل الكبير مسعود ولد بلخير.
سؤال: لماذا اخترت حزب "الصواب"؟
جواب: بعد حل حزب "العمل من أجل التغيير" ربطتني صلة ببعض الشخصيات السياسية التي بدأت في صيف 2002 تحضر لخيار جدي تواجه به انتخابات 2003 الرئاسية، وسوف يقودها هذا الأمر إلى بناء تحالف وطني كبير لدعم ترشيح محمد خونا ولد هيدالة، كمرشح رأت في ذلك الوقت -وإن بشكل مبالغ فيه- أنه قد يمثل تهديدا جديا لنظام ولد الطايع؛ وبعد نتائج الانتخابات المخيبة قررت مجموعة من هذا التحالف تشكيل حزب سياسي هو حزب "الصواب".

 

إعلانات

إعلانات

انت الان هنا  : Home مقابلات مقابلة أجرتها السفير نت مع رئيس المجلس المركزي الأستاذ حمودي ولد ابراهيم