دراسات

إلي أين نسير؟

محمد يحظيه ولد أبريد الليل

يمكن الحديث عن عينات عديدة للدعوة. إحداها دون تلاعب بالألفاظ دعوة تذهب ادراج الرياح. إنها الأقل مردودية من وجهة النظر السياسية والأقل فائدة بالنسبة لأصحابها. وتبعث على الشفقة في أحسن الأحوال، دون أن يثني ذلك عدد من الناس عن الدأب عليها قبل الثامن يونيو 2003 بحماس وبعده بحدة مفرطة صراحة.
دون طائل لا يقابل هؤلاء إلا بعدم الفهم والاحتقار كاملا وواضحا وضوحا شديدا، بعضهم تبددت الغشاوة من على عينيه وطأطأ رأسه مستسلما: ما باليد حيلة، بينما سكن البعض الآخر القلق والجنون. الجنون هو عندما لا يكون للكلمة معنى ثابت. بعض المجانين ينعش حلقات السمر بكلام عجيب مثل: إننا نجلس على فوهة بركان، إن الذين يستمعون إلى فرقعة القشرة الأرضية وهدير الحمم القادمة لتصب وتقذف نيرانها المشئومة، هم وحدهم المخولون والمعذورون في إعلان الخبر السيئ.
الأمر أصبح واضحا حيث ارتقى إلى مستوى البديهية ولم يعد يتطلب ضرورة أن يكون الإنسان زرقاء اليمامة لكي يراه. صحيح أننا نعرف القصة التي تتكرر دائما على مر العصور وهو ما يشكل عزاء على نحو محزن إنها قصة كاساندرا.
أميرة طروادة اللعينة التي رزقت مكلة التنبؤ لكنها وفي نفس الوقت الذي ابتيلت بأن أحدا لا يصدقها. لقد صدقت مرة واحد بعد سقوط طروادة الذي تنبأت به، لقد فات الأوان لسنا هنا بصدد نبوءة بعيدا كل البعد. لكننا نلاحظ أن واحدا زائدا واحدا  يساوي اثنين، شيء يصعب البرهان عليه ومع ذلك يسهل فهمه.
كان صحيحا ولأكثر من مرة أن البشر وقفوا يوما أمام هذا الجدار حيث تحولت الأشياء إلى طلاسم.
توقع أكثر من واحد قبل الثامن يونيو وقوع انفجار مأساوي دون أن يكون على اطلاع بأسرار المؤامرة، دون الحصول على أدنى معلومة وبدون الاعتماد على جهاز للمخابرات.
 منطلقا ببساطة من تقدير الوضعية العامة: اختناقاتها، المنطوق والمسكوت عنه في الصالونات، نقد حاد في حق النظام من طرف مؤيديه، استياء الناس العاديين بدون أن يكون لديهم رأي سياسي، أسئلة الشارع وقلقه، غياب كل الآفاق في نظر المراقبين، رفض وبلي شعارات وبرامج الحكومة وافتقارها إلى المصداقية في نظر الجميع، والسخرية من الرسميين تصريحا أو تلميحا.

تحليل يحتاج إلى أن يؤسس على معلومات دقيقة واستخباراتية، ليس في الحقيقة تحليلا سياسيا. إنه تقرير بوليسي. وهو شيء آخر، شيء آخر تماما.

إنهما لا ينتميان حتى إلى نفس الحقل ويختلفان في المنهج والمفاهيم. قد يكون لبس من هذا النوع مصدر الأخطاء المتكررة والمستمرة، وهو ما من شأنه أن يزيد الحظوظ إلى جانب ما نذهب إليه من أن انفجارا لا مرد له سيحصل ليشملنا جميعا.
إلا أنه لا يمكن لأي إنسان أن يحدد بدقة طبيعته، لا يهم فالنتيجة هي نفسها.
إن من لم يخطئ حول انفجار الثامن يونيو الأقل بداهة وتوقعا، سيكون أقل عناء من خلال تحليل متشائم راهنا، لأنه يستدعي نبوءة أقل. فالأسباب التي أدت إلى الثامن يونيو لم تزد على كونها أينعت دون أن تفقد أيا من عناصرها.
لقد درجت وانتقلت ببساطة من الطفولة إلى النضج. ومع ذلك فيوجد أناس ـ ومنهم من يستحق التقدير ـ يريدون اتقاء الطوفان الهائج بأكياس من سكر "الإنجازات العظيمة" وتلك المستقبلية الأكثر عظمة أيضا، إنجازات عظيمة، تصور نظري من الإنجازات المحتملة التي نحن في أمس الحاجة إليها من أجل إسالة لعابنا. هل حالت قط مثل هذه الإنجازات دون انفجار بركان دخل مرحلة النشاط؟ ليس هناك من له عقل أو موضوعية يمكنه نفي وجود مكتسبات إيجابية، ولنبدأ بأهمها وهو أننا مازلنا نعيش في ظل دولة. لا جدوى من المزايدة لأن ذلك سيكون من قبيل فرس الفلاسفة التي تتمتع بجميع الخصائص عدى كونها موجودة.
منجزات كتلك التي تتحدث عنها الرؤية التبجيلية كفيلة بحث صانيعها والمعجبين بها على تكريسها والحفاظ عليها، وبذل الغالي والنفيس كي لا تنجرف وتتحول إلى رماد تذروه الرياح.
أما تفكيرهم في إمكانية تعزيزها وإضافة أخرى إليها من خلال عائدات البترول أو أي معجزة أخرى، فليس له أي علاقة إطلاقا بحالة سياسية معاشة، تكاد تخرج نطاق السيطرة وتنفلت يوما بعد يوم من أيدينا.
المشكل هاهنا.
من المحتمل أن كل من يهتم بمصير بلده في الظروف الحالية قد درس أو تأمل حالتي الصومال وليبيريا. وأن يكون قد رأي السيرورة التي قادتهما إلى الجحيم. إن ذلك سببا للكوابيس والأرق. لا أحد يتمناه بل ومن مصلحة الكل تحاشيه.
ومع ذلك فسكان بلد الصومال يتميزون بالوداعة، لأنهم منمو إبل أذكياء، ومنهم خليط من دماء يمنية الأصول، ولدوا وترعرعوا في فضاءات واسعة. حالة من سوء التقدير في الوقت المناسب وحدها هي التي دمرتهم.
عمل تدميري دؤوب اكتمل على مر عشرين سنة: من الحيف، الإلغاء، التهميش، الجهوية الوقحة، العشائرية المبتذلة، الاستحواذ على الثروات والوظائف الرسمية، رفض الاستماع إلى شكاوي وأنين الآخرين...
أشياء قادتهم إلى ما وصلوا إليه. في الواقع كان زياد بري ثقيل السمع.
وماذا عن ليبيريا؟ من الحري أن تزورها أيام "تيبمن" و"تولبير" لتعرف أن الشقاء لم يكن قط صدفة.
 لقد مهد له هؤلاء الحكام. ألف أسرة تستحوذ على وتستغل كل شيء: المناصب الحكومية والثروة، الثروة المركزة والموضوعة على برميل من المتفجرات. في حين تتقاسم بقية الشعب البؤس والاحتقار. يعود الفتات الذي ترميه الشركات الأمريكية من منتوج معادن الحديد الغنية واستغلال شجر المطاط إلى أعيان النظام.
عندما تتجه إلى مدن الداخل الآهلة بالسكان تأخذ طريق الوحل ذي التربة الصلبة الحمراء، بينما تدخل مزرعة أشجار البن التي تعود ملكيتها إلى "تيبمن" البعيدة من "منروفيا" بواسطة الطريق المعبد.
المزرعة ممتدة بحيث لا يخطر على بال إنسان أن يعبرها أحرى أن يطوف بها إلا بواسطة السيارة، عمال مناجم الحديد والبائسين الذين يقطفون لبن شجر المطاط ويطهونه ـ هناك حيث رائحته المقرفة لم تعد تطاق من على بعد عشرات الأمتار من جميع الجهات ـ يجازون بالبييرة المحلية التي توفر لهم في أحواض وآنية، ليخصم مقابلها آليا عند نهاية الشهر من طرف المستخدم.
من عرف ليبيريا بشكل مباشر مطلع السبعينات لا يمكن أن يفاجأ بالمصير المؤسف الذي أصابها، فالوضعية آنذاك لا يمكن أن تفضي إلا إلى ثنائية ضدية: صمت القبور، وبعد أن يصل أوجه لا يمكن أن يستمر. أو الانفجار الحتمي فكان صارخا ومدويا.
أما بالنسبة لنا نحن فإن مصلحتنا تقتضي السرعة للنظر في الوضع والتعامل معه بصفة موضوعية، آخذين في الحسبان أن هذه الوضعية لم تكن على ما كانت عليه 2003 فقد تطورت سلبا تطورا نقلنا من حال إلى أخر أكثر خطورة. وخلال ذلك خسرنا مناسبات وفرصا، ضعينا الوقت وخسرنا الزمن! وفي نفس الوقت خسرنا وسائل عملية ثمينة وملائمة.
لم يبق إلا الوسائل المتاحة، ومرة أخرى هذه الأخيرة بدورها لم تعد حاسمة. لا أحد يستطيع القول جازما أنها مازالت فعالة.
 عندما يبدأ ميكانيزم التآكل لم يعد أحد واثقا من شيء. تقتضي الحكمة أولا بتوقيفها لمراجعة الوضعية وتحديد ما يمكن تلافيه وما تلف نهائيا أو على الأقل لتخفيف الضرر. لم يحدث شيء من هذا القبيل ولا حتى قريبا منه، وهذا هو مصدر الريبة المتنامية، من الضروري فك رموز ما حدث والحالة الفريدة التي خيمت، تلك التي نعيش تحت ظلالها منذ عام ونصف العام.
لقد دخل النظام حربا دون علم أحد، حربا ضارية لا هوادة فيها ولا رحمة، وسخر لها ما يملك من وسائل. يقول فيكتور هيكو: "إن توازنا مفروضا عكس التيار كثيرا ما يكون أكثر كلفة من الحرب"
لقد سقط قادة كبار على ساحة الشرف يحملون سلاحهم وهم يدافعون عن النظام. المعارك حتى الآن كلها خاسرة الواحدة تلو الأخرى.
 قادة آخرون لازالوا محاصرين داخل مواقعهم يقاومون بآخر طاقة لديهم. لكن الخاتمة ليست موضع شك: مواقعهم ستسقط حتما مثل من سبقوهم. إن الخصم نفسه لم يتم تحديده، ليس هذا فحسب بل إن الاستراتيجية الدفاعية المتبعة مدمرة والتكتيكات المتقوقعة خلف التحصينات على نمط القرون الوسطى، انتحارية. عمليا فإن خاتمة الحرب لم تعد لغزا في ضوء الوتيرة والاتجاه الذي تسير عليه الأمور: استسلام مبرمج.
لكن في هذه الحرب التي هي في طريقها لأن تكون خاسرة هناك مفارقتان:انها سرية من جهة ومن جهة أخرى أحادية الطرف الذي هو النظام نفسه.
الطرف الآخر: الخصم غير محدد، لا مكان له معلوما. إنه في طيات الشيء نفسه. هو تعفن. لا مكان له وفي كل مكان: النظام يبحث عن الخصم ولا يجده وعندما يجد خصما فليس الحقيقي. إنه شيطان.
 الشيطان لا يبحث عنه يجب الاحتراز منه. الخصم الحقيق هو الواقع الاجتماعي المنفلت الذي لا يرحم، القاسي والمتعنت، الواقع الديناميكي لا الواقع الاستاتيكي،الواقع الاستاتيكي  ليس له إرادة إنه يتلاءم مع كل شيء.
النظام وهو الأكثر عرضة للخطر، في هذا المأزق، يعتقد على ما يبدو أنه إذا فحص بصراحة وجرأة المرض،  سيظهر مهزوما. بينما في الواقع سيكون هو المنتصر الوحيد. مهزوم أمام أي خصم؟ خصمه منطقيا هو المعارضة، إلا أن المأزق الذي تعيشه البلاد غريب تماما عن الخصومة التقليدية بين النظام والمعارضة، على الأقل المعارضة المشرعة. وهي التي لم تستخدم في الحرب على النظام أي كتيبة ولم تتورط في أي معركة ضده. الوضعية هنا لا علاقة لها بما ظهر في "مدغشقر" ولا بما كان أصلا للهرج الإيفواري.
هناك معارضة مهيمنة، لديها رؤية منسجمة، وطغمة ممسكة دون جدوى خلافا لكل منطق بمقاليد السلطة.
أما هنا فبطن رخوة لا متشكلة أفرزها الإحباط المتتالي والسياسات السيئة على كل الجبهات: من ظلم صارخ يفتقر أصحابه إلى الحكمة، تسويف غبي وصمم غير مفسر. إنها وضعية لا متعينة بلا أول ولا آخر، لا يتحكم فيها أحد ولا يوجهها أحد، لا سيادة فيها لأحد، صالحة فقط لتشجيع التطرف والمغامرة. إلى جانب هذه الوضعية فإن مصير "الغينيتين": "بيساو" و"كوناكري" يبدو مرغوبا.
وهذه الطريقة المتتبعة حتى الآن دون توقف، وللدقة منذ زمن بعيد أصلا، لكن وبشكل جلي وسط دهشة الجميع. لا أحد يفهم منذ الثامن يونيو 2003 هذه الطريقة، لا اسم لها سوى سياسة النعامة، لا توجد كلمة أخرى لوصفها, الأشياء تحمل أسماء، يجب أحيانا أن تسمى.
لقد تجاوزنا مستوى التلطيف، عندما يحيط بعنقك حبل المشنقة، أنت وأبناء جنسك فإن التلطيف لم يعد له مكان. في حالة كهذه فإن الصيغة المناسبة هي ان تطلب النجدة : الحقوني.. وا غوثاه!
حقا فإن كبار المسؤولين في النظام ـ وما أقبحه من عذر ـ ليسوا وحدهم من يتحمل المسؤولية. إذا كان الخلل الأصلي يأتي من النسق السياسي الذي لم يعد فاعلا، زيادة على الخسائر والعواقب السياسية المدمرة، فساد التصور، سياسيات غير متكيفة عموما، غالبا ما تكون غير فعالة، لم تحظ بالقبول منذ البداية تملى دائما دون تشاور ودون نقد، فإن الرجال المكلفين بالتطبيق لا يمكن أن يتنصلوا من المسؤولية، وهم في الغالب رجال غفل، بلا إرادة ولا قناعة لديهم، لا مبالين، مسؤولية هؤلاء تأخذ بعدا آخر في مؤامرة الصمت، وهي الأخطر، لأن التآمر من الداخل أكثر تدميرا من ذلك الذي ينسج خارج فلك السلطة. هذه المؤامرة قرر تنظيمها والاحتفاظ بها وصيانتها أولئك الذين حالفهم الحظ أو كان لديهم الأمل في تولي مناصب عامة من أي مستوى كانت.
للحفاظ على مصالحهم أو اكتساب أخرى جديدة يجب السكوت عن الحقيقة، حتى ولو قرع ـ وقد كان ذلك ـ الخطر الباب مشكلا تهديدا شاملا من شأنه القضاء على الجميع، وليس فقط رموز النظام القائم، مع أنهم أول مستهدف.
حتى غريزة التجمع الطبيعي عند كل الأنواع الحيوانية. هذه النزعة التلقائية للتقية من الخطر والحفاظ على النفس قد تلاشت. إنه عالم موبوء فاقد للعقل على مفترق الطرق نحو الجحيم، لا يمل من تعميق قبره.
يقول العرب في حكمة قديمة "إذا جاء القدر ذهب السمع والبصر".
لكن من بين كل الذين لا يعبئون بالحقيقة، هناك جهة تثير الدهشة والاستغراب ألا وهي الرأس المدبر للنظام، الحكام الحقيقيون والذين لديهم ما يخسرون ولديهم فضلا عن ذلك مسؤولية أخلاقية اتجاه الكل. مقاومة هؤلاء العاتية وعنادهم من أجل أن يبقوا على حافة الهاوية في عزلة تامة، لغز حقيقي.
على أي تحليل يعتمدون؟ لا أحد يتقاسمه معهم في قواعدهم ولا في عامة الناس. أي آفاق لديهم؟ لا أحد يراها من مؤيديهم ولا خصومهم الألداء أو المراقبين الموضوعيين.
مع أنه غير مفهوم، فإن هذا العمى ليس فريدا في التاريخ: التاريخ شهد كل شيء. هذا يحدث وقد حدث.
 في نهاية سنة 1978 رفض شاه إيران أن يرى أو يسمع، بقي متعنتا مع شرطته السرية القوية المشهورة ب "السافاك" مفضلا الدعة التي تعود والكلام المعسول من طرف من يداعبونه متمسحين. لم يفهم أو لم يقبل أن تغييرات تحت أرضية وصماء حدثت في المجتمع الإيرانى.
تحت مجاملات وأبهة وفساد إمبراطورية بليدة، يغلي مرجل خلفي تحته نار سرية، أججت من طرف الشاه نفسه. استحوذ على هذا المرجل الإسلامويون، دون أن يكون لهم أصلا. هذه التطورات الدقيقة والبطيئة ولكنها الحاسمة أحيانا لا يدركها البعض.

بعض الدول الأوروبية المهتمة بمصير البترول والعلمانية والأمن في المنطقة، وبعد تنبيه ونصائح لبقة لم تلق استجابة، لأن الشاه طبعا بقي مزهوا. تسارع مبعوثو هذه الدول لفهم اسباب جمود صديقهم القديم الشاه، وتحدثوا مع معارفهم من الحاشية الإمبراطورية لم يجدوا سوى هذا التفسير المقزز المبتذل والمحير الذي يقضي على كل أمل؟ "لم يكن ممكنا الكذب على أبيه أما هو فلا يستطيع أحد أن يواجهه بالحقيقة".
استسلم الأوروبيون للقدر المر: هو حكم الآيات الظلاميين، ورضوا بالواقع. الوضع ميؤوس منه: إذا كان البوح بالحقيقة مستحيلا من طرف المقربين، فقد انقطعت الأسباب. يقول مونتاييه منذ زمن بعيد "إن أولى مظاهر فساد الأخلاق هو إخفاء الحقيقة".
عندما بلغ السيل الزبى، قبل الشاه المسكين ما لا مفر منه: بتعيين وزير أول من خارج الحاشية. إلا أنه في وقت لم يعد يتمتع فيه بقيمته المعنوية وأبهته.
التنازل الذي كان مفيدا قبل عدة أشهر سلفت، أصبح حقيرا لا أحد يريده، لقد تجاوز الغضب عتبة جديدة. لم يعد هنا من يقبل التنازل الجزئي، فالمطلوب الآن كل شيء.
لقد جرف الغضب الأعمى الشاه ووزيره الأول، هذا الوزير الذي قضى كل حياته يناضل ضد  ظلم العاهل الدموي. ولم يكن بوسعهما إنقاذ حياتهما إلا بواسطة الهرب المرتجل والمذل كما كان الحال بالنسبة للسفير الأمريكي. لم يعد أمام العلمانيين والديمقراطيين والتقدميين إلا إطلاق لحى متصنعة وكاذبة أو أن يحسبوا في طرف الأمبراطور المخلوع والأمريكان.
النساء اللاتي فقدن مناصبهن وأشغالهن بقين في البيوت محتجزات أو ظهرن تحت الحجاب كالشبح في مجتمع كان متحررا على المستوى الاجتماعي.
ليست عندنا الآن صورة عما كان عليه الشاه أيام مجده. كان ينظر إلى العالم الواقع بين أوروبا والصين نظرة تحتية. كانت لديه أولى قوة عسكرية في الشرق الأوسط بقيت وفية له حتى آخر لحظة. كان بلده ثاني مصدر للبترول في العالم ويلبس باعتزاز وتباهي معطف الدركي المفوض للولايات المتحدة في المنطقة قاطبة.
توجد مقاربات لمواجهة المعضلات أكثر ذكاء وفائدة من وجهة النظر السياسية.
 بسنوات قبل الشاه؛ لاحظ المختار ولد داداه نذرا في الأفق الملبد بالغيوم. كانت أقل خطرا من الطوفان الذي غرق فيه محمد رضا بهلوي، لكن لم يكن من المعقول أن يترك مصيره معلقا بضربة صدفة ليعيش في قلق وعدم اطمئنان للمستقبل.
لقد استهدفته معارضة متنوعة أساسا في صفوف الشباب؛ تصفه أحيانا بعميل الإمبريالية والاستعمار الجديد، وتارة وكيل شركة المعادن والحديد "ميفارما"، وأحيانا أخرى عدو اللغة العربية وكل ما يرمز إلى الهوية الحضارية في موريتانيا.
 وأكثر من ذلك فقد أحس ـ السياسة تحتاج إلى فطنة ـ إن موريتانيا التقليدية وزعاماتها من الساسة المتمرسين على الخداع؛ والتي اعتمد عليها لبعض الوقت قد بدأت تبتعد عنه. هنا وكما هو الحال دائما؛ فإن الوفاء نادر ومرتبط غالبا بميزان القوة، حاضرا أولا حقا.

ت
صرف المختار ولد داداه بسرعة؛ عندما كان لديه ما يكفي من الوقت، مادام ميزان القوة لصالحه، ومصداقيته لا تزال كاملة. على كل حال لا أحد يشك في مرونته وذكائه السياسي. يجوز الصراع معه أو معاداته؛ لكن لا يسعنا إلا الاعتراف بأنه رجل ذو مزايا عالية: يجيد الإقدام والإحجام.
 لقد بدأ بتعديل حكومته؛ رأسا على عقب، وفصل الوزراء الذين لم يعينوا في وظائفهم إلا طبقا لمعيار لعبة التمثيل الجهوي البسيطة. وأحاط نفسه؛ في نفس الإجراء بأفضل الكوادر المتوفرين في السوق؛ وبذلك استعاد مصداقيته، فبدون مصداقية حكومية لا يستطيع التصرف بشكل نافذ؛ ولا اتخاذ أو تنفيذ قرارات جريئة كتلك التي تستدعيها الوضعية آنذاك.
 وبحنكة معتبرة، لم يلزم القادمين الجدد، في الحكومة، بالانتساب للحزب الوحيد مع أنه مؤسساتي.
القادمون الجدد كانوا إلى ذلك الحد من المنتقدين - حقا لم يكونوا بالنسبة للبعض، محركين-
 إن إلزاما من هذا النوع؛ سيسبب لهم حرجا.
 ساد التفاؤل هذه الضرورة الغير محسوسة والضرورية للعمل السياسي؛ ومعها نتيجتها الطبيعية: تزاحم الأفكار الجديدة التي بدونها لا يمكن أن نحدد اتجاهنا؛ "لا توجد رياح مساعدة لمن لا يعرف أين يسير"، قالها المفكر الروماني القديم "اسنيك".
 الخطوة الثانية كانت إصلاح التعليم، من أن جل إعطاء اللغة العربية المكانة اللائقة.
 الثالثة مراجعة الاتفاقيات المبرمة مع القوة الاستعمارية القديمة، وهي الاتفاقيات التي ولدت مع الاستقلال ولها قيمة رمزية، لأنها تبدو للبعض على أنها حقيقة هذا الاستقلال، الذي ينظر إليه دائما على أنه استقلال داخلي فقط. وكان المناخ في ذلك الزمن مناخا للتقدم والثورة.
وصلت بعض أمواج الثورة الثقافية الصينية وصدى ثورة مايو 1968، بطريقة معينة إلى الصحراء؛ حيث الناس بطبيعتهم، دائما يتطلعون إلى الجديد وهم في الواقع قليلو المحافظة.
 المختار الذي يعرف حق المعرفة المجتمع الموريتاني، فهم نداء التغيير هذا، و ضرورة التجديد تلك. الخطوة الرابعة مرتبطة بالثالثة وهي: الخروج من منطقة الفرنك الحرة، وإنشاء العملة الوطنية الأوقية. أما القرار الخامس: فكان الانضمام إلى الجامعة العربية؛ استجابة لشعور طبيعي؛ أججته حينها حرب أكتوبر 1973.
وأخيرا؛ فإن الحدث الكبير الذي توّج سلسلة الإصلاحات والقرارات الجديدة هذه، من أجل تصحيح الوضعية، هو تأميم شركة "ميفارما".
 زحزح إيجابيا كل واحد من هذه القرارات موقف عدد معين من الناس، من المعارضين أو المواطنين العاديين ورجح الكفة قليلا لصالح النظام، لم تبدأ قضية الصحراء إلا والمختار يتمتع بإجماع حقيقي حوله أكثر المتحمسين له هم المعارضون المتطرفون بالأمس الذين كانوا يقاومونه.
إن نوعية حكومته وخصوصا التحكم والرقابة على طاقم التأطير السياسي والإداري هو الذي أتاح له أن يتجاوز بفعالية الآثار القاسية جراء الجفاف
1973.
لم يخش في وقت من الأوقات النازحين بأعداد هائلة من المنمين والمزارعين الذين سلبوا أموالهم وتدفقوا بقضهم وقضيضهم على العاصمة نواكشوط، حتى حلوا بباب الرئاسة وأصبحوا يتزودون بحاجتهم من الماء هناك في أسطل محمولة.
 لم يخش أن يشكل هؤلاء مصدرا لزعزعة الاستقرار. الكل كان مقتنعا رغم شح الوسائل أنه قام بما في وسعه.
 خطة طوارئ لا سابقة لها مع فعالية ملحوظة؛ قد تم وضعها وتنفيذها.
 لا يكتفي المختار بالاستماع إلى الحقيقة، بل يبحث عنها ويطلب بإلحاح من بعض الأشخاص المعتبرين عندما يلتقي بهم في مقابلة أن يقولوا له؛ ليس فحسب وجهة نظرهم بكل صراحة، لكن أيضا ما يقوله الناس عن نظامه وسياساته التي يتبع.
ودائما ما يعقد فضلا عن ذلك ملتقيات مفتوحة، وليس من الإفراط القول أن خدم المنازل والرعاة، توجه إليهم بطاقات دعوة لحضورها ويخاطبون الرئيس خلالها بالزميل.
 وعلى اختلاف القضايا، فإنه لم يتعرض أحد للنبذ عندما يريد التعبير؛ مهما كانت قسوة لغته أو عدم واقعيته.
تعرض المختار ولد داداه، وهو الكاتب العام للحزب الوحيد ورئيس الجمهورية لأكثر من مرة لمكائد شخصيا خلال هذه الملتقيات دون أن يتبع مرتكبيها بأدنى مضايقة.
 فخ الصحراء كان نتيجة مصادفة أخرى لا علاقة لها بإرادة المعنى والسياسة التي يتبع. ولولا قضية الصحراء لمات المختار ولد داداه  السنة الماضية على كرسي الرئاسة، ولما حصل العاشر يوليو من باب أحرى الثاني عشر دجمبر.
 الآن، وبعد أن انتقل الرجل إلى العالم الآخر وأصبح في ذمة الله، يمكن البوح بمثل هذه الأشياء للأمانة التاريخية وخصوصا من أجل قيمتها كقدوة.
أما السؤال الملح والحيوي اليوم؛ فهو: كيف نفسر ونفهم أن النظام الحاكم لا يرى ضروريا علاج الوضعية التي نعيش، التي تقلق كل الناس، والتي لم تعد تحتاج للتعريف والوصف؟
في أي كمين سقط من أجل يعفي نفسه من علاج مشاكلنا بل ومشاكله؟.
 إشاعة سائدة تزكي الفكرة التي تأباها الروح، ويرفضها العقل ويفندها المنطق، وهي أن السلطات لا تعترف بوجود أزمة خطيرة وعميقة؟ كيف لا توجد أزمة؟ من فضلكم!
 يجب أن لا نغتر أن حالنا اليوم كحال الصين على الأقل، كما وصفها أندريه "مرلوو" 1926 "الصين ترتعش كصرح خرب، القلق عليه لا يأتي من تهديد أو معارك؛ لكن من وزن ذلك السقف المرتعد".

 كيف لا توجد أزمة؟ وهؤلاء المساجين الذين يتعرضون للتعذيب، هؤلاء الذين يتعرضون للاستجواب والمحاكمة، هؤلاء الذين يتعرضون للتهديد، هؤلاء المجوعون، هؤلاء المبعدون، هؤلاء المكرهون على المنفى، ماذا يمثلون؟ أو عن ماذا ينمّون؟
 هؤلاء النسوة اللائي سجن من أجل كلمة أو منشور، تحديا لكل تقاليد هذا المجتمع، والتي وضعت إحداهن أو كادت على مكتب مدير السجن، هؤلاء الأطفال المفصولون عن أمهاتهم، هؤلاء الذين يحلمون بالقتل، بالحرق والأخذ بثأرهم، لم يعد لديهم من الإحساس سوى الشعور بالغبن. يريدون الانتقام لا العدالة، وهؤلاء الذين آثروا العنف متربصين بكل بساطة الوقت المناسب، غدا، بعد غد، الشهر القادم، الفصل القادم، وهؤلاء الذين يعتبرون الطرق السياسية السلمية مهزلة متجاوزة، لا علاقة لها بالواقع السياسي المعاش، يعتبرونها مضيعة للوقت، وهؤلاء -وهم كثر- المتضامنون مع الانقلابيين، دون أن يكون لهم سابق معرفة بهم، دون معرفة برامجهم، إذا كانت لديهم برامج أصلا، الذين يقرون طرقهم ووسائلهم دون استثناء.
 وهؤلاء العامة في الأسواق، في الباصات وسيارات الأجرة، وفي الشارع؛ وهم في اضطراب وحيرة يتساءلون بخيبة أمل حول المستقبل حول ما سنؤول إليه وإلى أين نسير.
 وهذه الديمقراطية المتبجحة التي لا تستطيع فيها الأحزاب المشرعة الدعوة لأبسط احتجاج، عقد أبسط مهرجان، تنظيم أبسط مسيرة، والتي تصادر فيها الصحافة وتحظر.
 ودولة القانون هذه التي لا تطبق فيها القوانين على الأقوياء والأغنياء، حيث يذهب أصحاب الرأي حتما إلى السجون، وحيث تجهل قداسة جسم الإنسان.
 وهذا الاقتصاد الوقف على بعض الأفراد.
 وهذه الثقة المعدومة في المؤسسات، في الانتخابات، في السياسات المتبعة، والتي لا يقابلها الناس إلا بلي الشفتين، تحديا واحتقارا لكل شيء عدى الشعور بالغبن.
كل هذا ألا يكفي في حد ذاته كأعراض لوجود أزمة خطيرة وعميقة؟.
 أفضل الإرادات الخيرة لا تعرف لهذا علاجا، ولا أحد يعرف ما سيؤدي إليه.
 وهذه المصداقية التي تتبخر؟
 أنا: واسمحوا لي باستعمال "أنا"؛ ولو كانت غير مناسبة، فقد عشت قصة تقضي على هذه المصداقية. حوالي أكثر من سنة بقليل، اعتقلت عند ومع دفالي ولد الشين في نفس الوقت. تم اقتيادنا مع أشخاص آخرين إلى السجن في ذلك اليوم أضفت حبة جديدة إلى سبحة الفظائع. فهمت بشكل نهائي أن الفرد عندنا لا يمثل مثقال ذرة. إنه فرضية بسيطة لم تراجع، صالحة لأن تداس بالأقدام، مع أني كنت أعرف أن المواطن عندنا لا يتمتع بقيمة فائقة، أكثر من ذلك تعرضت شخصيا للإذلال والحرمان والجوع في السجون، بردها وبعوضها المستبسل والعزلة المؤذية، ليس في غرف، لكن في سجون انفرادية.
سنوات مرت من التعذيب والمرض دون طبيب أو دواء، اختلاط مذهل في سجون مكتظة، ملتقى للصوص والمجرمين والقتلة، قلق الفرد الملاحق كي يعلق في المشنقة، لا لشيء إلا ليكون عبرة.
لكن في يوم السادس نوفمبر 2003 ذاك عندما قذف بنا أنا ودفالي من المصعد العلوي لسلم الطابق، إلى الطبقة السفلى، فهمت معنى تحلق الكلاب المرسلة في أثر الطريدة من الوحوش، نواجذهم الطويلة، ملامحهم المشئومة، نهمهم إلى الدم وقسوتهم.
المهمة اكتملت واستعجالهم على المسك بحصتهم، رأيت هيجان الفرد المشروط. المتحسر على تفويت فرصة تسديد لكمة باليد أو ضربة بالهراوة أو ركلة بالسباط.
الاستخلاص وأخذ العبرة، ليس مرتبطا بالضرورة بأهم حدث في حياة الإنسان، أحيانا توقظه ببساطة صدمة لم تكن منتظرة، أو لا مبررة.
بعد كل هذا هل يمكن أن يضحك المرء؟ نعم ضحكت بعد ذلك، وهذه هي الظروف التي أدت إلى ذلك.
 بعد توقيفنا، سجنا لمدة شهرين، حوكمنا وأدنا من طرف محكمة، في قضية نجهل عنها كل شيء، كل شيء إطلاقا. لم نألف قضيتنا إلا من خلال استجواب الشرطة، القاضي والمحكمة نفسها، عندها عرفنا اسم شيفرتها (اكراب1)، وشيئا فشيئا بعض تفاصيل وأهداف هذا المخطط الرامي على ما يبدوا ـ إلى الاستيلاء على السلطة بواسطة الشارع ـ إنه أحد الأخطاء القضائية، أو ببساطة أحد التجاوزات البشعة التي لم نسمع أو نعلم بمثلها قط، مع أنها ليست نادرة الوقوع.
 عندما قرأ رئيس المحكمة أمامي، التهم الرئيسية الكثيرة التي من أجلها أحاكم، وكل واحدة منها أخطر من الأخرى ـ لم أتمالك لأبتسم ـ لابد أن رئيس المحكمة قد استغرب. لم يزد على أن نظرني، لكنه لم يطرح سؤالا حول ابتسامة في غير محلها، بدون شك سيعتقد أن هذه عادة أو طبيعة لدي.
عندما طرح علي السؤال: "هل تعترف بالتهم المنسوبة إليك"؟ وجدت كل الصعوبة في قمع انفجار الضحك الذي يغالبني، ولو كان لكان فضيحة بلا معنى، وعندما أحسست بالضحك يتصاعد بداخلي، استجمعت كل قواي الداخلية، وكل إرادتي لتحويل هذا الانفعال كي أقول "لا" لم أستطع أن أضيف إلى ذلك توضيحا. سعدت لأنني تمكنت من الجواب بشكل عادي.
 لقد مثلت أمام المحكمة دون أن أقتنع بإمكانية انعقادها، مع أنها قد قررت منذ مدة وبشكل رسمي، كانوا مثل ما لو كانوا يحاكمونني بتهمة إشعال حريق في الليلة الماضية في فندق في "جزر المالديف"، شيء غير معقول نهائيا.
إن المخرج المشرف الوحيد لهذه المحكمة في نظري، كان أن تطلب السماح علنا، موضحة أن المحاكمة بدون موضوع وأنها ارتكبت غلطا، عند ذلك ستكون محاكمة لا سابقة لها في حوليات القضاء، وجلسة غير مألوفة، لكن لاشيء سوى اللا معقول يمكن أن ينقذ هذه المحكمة لا الاعتذار ولا التبرئة.
إن ما يستدعي الإثارة بشكل خاص هو ظهور القاضي واثقا، جادا ومنضبطا، شيء مدهش. إما أنه كان يلعب دورا مرسوما، بالمعنى المسرحي، مقنّعا في مسرحية تراجيدية ـ هازلة، سيئة الإخراج، أو أنه يجهل كل حقيقة عن الموضوع ما ظهر منه وما خفي، ولديه اعتقاد بوجود ذرة حقيقة في هذا الجبل ـ وحدها كافية ـ للعثور على الحقيقة التي يحتمل أن تكون: أنه أمام مجرمين متمرسين على الخداع وإخفاء جرائمهم.
كنت الوحيد الذي يعتقد بحسن نيته، كما هو الحال بالنسبة للوكيل إلى اليوم.
 بعد قراءة محضر الاتهام، قاطعت الإنصات إليه، انطلاقا من إحساس بأنني لست معنيا بالمحاكمة التي هي في الحقيقة ليست محاكمتي، والتي تدعوا إلى الضحك المهرج، أفضل الطرافة لا التهريج، التهريج يؤلمني أكثر مما يؤلم ضحاياه.
أصبت بالذهول عندما أدخلوا المساكين "الشهود العيان على الجريمة" كان هناك شهود عيان على الجريمة! من فضلكم.
تناول التبغ بجرعات "افريديريك الكبير" ساعدني على تحمل تلك اللحظات التي بدت أطول من خطب سحبان وائل، عدت للاستماع، ليس للأدلة ـ إنها باطلة ـ ولكن تأدبا، عندما بدأ هؤلاء المحامون الذين يستحقون كل الإعجاب مرافعاتهم في قضية خاسرة كالعادة، هم هكذا وخاصة منهم القدماء الذين أعرفهم، منذ حوالي ربع القرن! منذ بدأت هذه المحاكمات السياسية الصاخبة، تغزوا الحقل السياسي؛ مفسدة اللعبة ومشوشة معنى السياسة نفسها، هذا المجال النبيل الذي يمكن أن يتصدر مجال التربية. هم أنفسهم، نفس القيم الراسخة في الوجدان، نفس الإخلاص، ونفس التفاني متأثرين من هذا الظلم كما لو كانوا يواجهونه لأول مرة في حياتهم طيلة مدة عملهم المهني، كما لو كانوا يرافعون لأول مرة في حياتهم، شهم، إنسانيون، مؤثرون. يراودك الانطباع أنهم لا يعيشون في هذا المجتمع الذي سلبت فجأة كل قيمه، ونصب مكانها صنم جديد: الكسب المادي، الأقل إجلالا من اللات والعزى ومنات.
بم يكسبون عيشهم؟ لا أعرف.
 خلال هذه المحاكمة، أبلغوني أنني الشخص الأكثر محاكمة في هذا البلد ـ بئس ما آثروني به ـ ومع ذلك لم يطلب مني هؤلاء المحامون مدة هذه المحاكمة أي فلس، ولم يقبلوا أبدا التطرق إلى الموضوع.
لكن إذا أضعت شهرين من الصباح إلى ساعة متأخرة في المساء في قضية مثل "اكراب" بدون جدوى، وتفعل الشيء نفسه كلما كانت محاكمة سياسية، فإن ذلك يعني أن معاشك سيصبح شحيحا!.
إصرارهم حالة تثير الفضول لا تفسير لها، الوضع برمته ضدهم، الدولة، المجتمع، وجودهم لا يمكن أن يفسر إلا في ضوء اللامعقول.
يحدث أحيانا أن نكتشف جوهرة ثمينة وسط القاذورات، أو إذا أردنا البحث عن تفسير ديالكتيكي لوجودهم، في نقيض الأطروحة، يؤدون وظائفهم كما لو كانوا جماعة من الصالحين، يعملون مدى الحياة لله وللبؤساء.
 لنتذكر معنى البؤساء كما هو عند كاتبها المشهور "فيكتور هيغو"؛ توجد نقطة عندها يلتقي المجرمون والمظلومين، يتشابكون وينسجمون في كلمة واحدة، كلمة مشئومة، هي "البؤساء".
محاكمة مثل "اكراب" مضرة خصوصا بالنسبة للذين اخترعوها، لأنها تساهم في القضاء كليا على الثقة في المؤسسات، أسفا، فإن ذلك لم ينحصر على الأجهزة التنفيذية والقضائية، الجهاز التشريعي أيضا طاله ذلك كي يشمل الفساد كل شيء دفعة واحدة.
أخذت الجمعية الوطنية على نفسها مهمة رفع الحصانة عن نائب بريء -يمكن أن لا يكون بريئا من كل شيء-، لكنه جملة وتفصيلا بريء من كل ما نسب إليه من تهم، ولسوء طالعها، لم يكن أي نائب.

 الأمر يتعلق بنصف ملك مستقيم كل حياته، صادق في كل الظروف، مستعد لمواجهة العالم أجمع من أجل كلمة حق، إنه معلم متعارف عليه، نموذج نادر في مجتمع سحق كل أبنائه وفقد كل معالمه.

هذا النوع من الظلم والأخطاء والجرائر الفادحة، وسوء التقدير والتصرفات، نزق بدون معنى، تعنت لا مبرر له، حصد وخلط جيدا بطريقة لا يدركها أحد، بكل السياسات السيئة، بكل الاختيارات اللا مفسرة، من طرف عقل لا مصنف، يمركز كل شيء، لا يعرف أحد منطلقه، لم يفوضه أحد، ولم يكلفه بهذه المهمة، يعمل بدون انقطاع، يفرض نفسه على الكل، يصدر قراراته النهائية بدون تاريخ أو توقيع، توزع آليا وفورا للتنفيذ ودون نقاش.
إن النتيجة الأولى لهذا الأسلوب من العمل هي فقدان الثقة والمصداقية، وهي أبرز مظاهر الأزمة السياسية.
 إن الذين يعرفون التصرفات السابقة من باب أحرى إذا كانوا ضحايا لها، عندما تعلن لهم السلطات أشياء حقيقية: مفيدة أو مضرة، فإن أولى ردود فعلهم هي أن يقولوا عادت العجوز متنكرة، مقنعة وراء بهرجها، إنه خيال جديد.
محاولة انقلابية دون صوت؟ إنها فبركة.
 أسلحة قاتلة في توجنين؟ إنه وهم.
هكذا تتحطم المصداقية.
لنتابع تحدي الكناية لصالح الوضوح
. نحن من جديد، في بلد مهزوز خاضع لنظام منهك. بلد مهزوز يعني كابوس، أما ضعف النظام، فيجب أن يفرحنا نظريا. كل معارضة تسعى من حيث المبدإ إلى تغيير السياسة أو النظام، خصوصا عندما يكون غير مطاق، كما هو الحال بالنسبة لنا. لكن ليس بأي ثمن، ليس بخسارة البلد. إن ذلك سيكون من قبيل جزاء "مندريش" (الثعلب المحلي).
إن خلافنا مع النظام يتمحور في كونه يقود البلاد نحو الهاوية. ليس لدينا أي مشكل شخصي أو أي تنافر في الطباع مع الحاكمين. وعلى نفس الطريقة فلا يمكن أن نساهم بصفة أو بأخرى في دفع البلد إلى ورطة. طريق العنف مرفوض. يجب أن لا يلعب أحد مسؤول هذا "اليانصيب" لأن الكل سيصبح خاسرا.
هشاشة البلد معطى قديم، لكن هذا المعطى ليس ثابتا. يمكن أن يتطور بصفة إيجابية، عندما يسود التفاؤل، وبصفة سلبية كما في الحالة القائمة تحت تأثير عوامل أخرى، عندما يكون الأفق مسدودا. إن لها صعودا وهبوطا كالطفل.
الطفل بطبيعته ضعيف، هشاشة الطفل ناتجة عن الطريقة التي يعامل بها. عندما يعالجه ذووه بصفة دائمة في غذائه، ملبسه، ونظافته، فإنها ستكون نسبية. لن تكون إعاقة ستكون ببساطة المرحلة الانتقالية التي تقود إلى قوة البلوغ.
وعندما يهمل ولا يجد الرعاية اللازمة ويخضع لنظام غذائي وحياتي غير مناسب، فإن هذه الهشاشة ستكون خطيرة، ويمكن أن تؤدي إلى عجز جسمي أو ذهني. وعندما تصل الذروة فلن يكون لها علاج مؤكد ويقيني، يجب إذن علاجها قبل بلوغ الذروة القصوى، هذا النموذج ينطبق على بلدنا، إذا أضفنا أنه يسير بخطى حثيثة، وبشكل مباشر نحو الحد الأقصى.
إن بلدا ليست له تقاليد سياسية راسخة، ولا مؤسسات ثابتة، بمعنى محترمة من طرف القاعدة العريضة من الناس، هو تابع للحالة الصحية للنظام الذي يحكمه. وهذا هو حالنا. لسنا مخيرين: هذه حقيقة مرة، لكن لا يمكن تجاهلها حتى يثبت العكس. قليل من الناس يثق حقيقة في المؤسسات الحالية وهذه حقيقة أخرى، عبثا محاولة تفنيدها، وعلينا فهمها. لا يهم، شئنا أم أبينا، فهي مؤسسات أعدت على عجل لعلاج حالة أخرى تحت وطأة الاستعجال والضرورة، إصلاحات لاحقة كانت ضرورية، على الأقل، لتجعلها قابلة للاستمرار، يعني، من جديد نكررها، مقبولة من أعماق القلب، ليس من طرف الجميع فذلك خدعة، لكن من طرف الغالبية. وتنزع دائما من سياق الأحداث التي صنعتها والبصمات الشخصية التي جعلت منها ملكا لفرد بعينه. لم تصل هذه (المكتسبات) أبدا إلى درجة المكتسب المشترك.
 فهي في الواقع تبتعد منه يوما بعد يوم، حساسة ومتجمدة نتيجة أربعة عشرا عاما من تجربة الاستبداد، بقيت موضع تحفظ وأكثر فأكثر قابلة لأن تكون موضع شك.
لكن المشكل لم يعد هنا، وإذا كان هنا، استراتيجيا فإنه ليس كذلك تكتيكيا.
المشكل من كيد الشيطان الذي جعل من كل تدهور لحالة النظام الحاكم الصحية، لازمة في تفاقم هشاشة البلد نفسه.
إن هذه الوضعية قد أصبحت مركزية في اللعبة، وعلى من هم خائرين نفسيا أن يأخذوها في الحسبان. اللعبة ليست سكونية إنها متطورة. ليست على ما كانت عليه قبل سنة ولا حتى منذ ستة أشهر.
إن السلوك المؤسف للنظام يجب أن لا يدفع بنا لنشارك أو نكون لا إراديا وراء انتحار جماعي. إن هذا السلوك إن بقي سيظل وجي معيقا في أقدامنا، إنه بمثابة الشوكة العائق. ومن لم يتحقق أن عمله خطير مدعو لمبدإ التحفظ الأخلاقي والحذر السياسي. كي لا يكون فعله كالساحر المبتد
إ الذي يسبب حنق الشيطان ويثير أحداثا لا يستطيع توقيفها والتحكم في مجراها وما ستؤول إليه. يقول المثل الصيني "من الحكمة أن نترك التنين الذي ينام تحت الأرض يستريح بسلام".
إن التأمل النافذ للوضعية الراهنة ووصف النظام كما هو بكل صراحة واستخلاص فشله، لا يعني بحال من الأحوال أن كل الطرق مشروعة، خصوصا منها حماقة العنف. رفض النظام لكل الاتجاهات المعقولة، يجب أن لا يؤدي بنا إلى ترك المعقول. وإذا كانت الطرق السلمية تبدو أكثر فأكثر عاجزة، فإن ذلك لا يمكن أن يقودنا إلى انتهاج الطريق السريع الذي يجعل ما هو قاتل مباح.
لا يوجد برهان منطقي يلجأ إليه بخصوص الموضوع إلا العقل المركب الوحيد والدقيق. المنطق في السياسة يقود إلى المآزق والعقل هو المخلص.
البعض ممن يقرأ خطأ يخشى أن يقع في ابتذال: يجب أن نحافظ على النظام الحاكم، مثل هذا التفكير لا يلامس جوهر الفكرة.
إذا استطعنا أن نغير النظام مع المحافظة على البلد فهذا شيء مثالي، وإذا لم يكن بالإمكان المحافظة على البلد إلا ببقاء النظام فلنبق عليه. وهذا هو أسوأ الاحتمالات، وليبق النظام ما شاء الله أن يبقى، لكن في الواقع سيكون ذلك قليلا. لنترك له المسؤولية التاريخية عن هذا الغرق. إن أخطاءه وحدها قذائف ممتازة كافية لتلك المهمة.
أمام هذا الأفق المسدود الذي لا تلوح فيه أي بارقة، لا شيء سوى ثقوب سوداء، وجدت المعارضة هذه الكلمة الحلوة، الجذابة: الحوار.
لقد دفع بها حزب الصواب إلى الواجهة في الأشهر الأخيرة. لم يكن ذلك دون بعض الامتعاض في البداية. الكلمة قديمة. أما المعنى والأفق فقد حولتهما الظروف إلى جديدين.
لكن الحوار ليس جرعة سحرية، يجب أن لا ننخدع أو نخدع أحدا. إنها مجرد مقاربة بسيطة، منهج للكشف من أجل البحث عن الحل. الحل الحقيقي ليس خافيا على أحد، هو إصلاحات عميقة وذات طابع مؤسساتي، ترمي إلى إرساء ديمقراطية حقيقية.
يجوز أن تكون الطريق متعرجة كما يجوز أن تكون مستقيمة، بدون مواربة.
لكن هناك ما هو أفضل من الحوار، هناك يقظة الضمير، انتفاضة الضمير، ضمير الكل: كل الأطراف. يقظة الضمير بامكانها تلافي وضعية ميؤوس منها.
 هل يستطيع النظام أن يفتح عينيه من جديد؟
ومجرة المعارضة الفائقة التنوع، هل تستطيع أن تتفاهم حول حد أدنى: أول نقطة فيه تسمى المحافظة على البلد ورفض العنف؟
وجمهور الأطر الصامت أو الناطق، هل يمكن أن يكتشف دورا إيجابيا؟. ومنهم أناس يستحقون التقدير لكفاءتهم وماضيهم المشرف. إنهم معنا على متن نفس السفينة التي بدأت المياه تتسرب إلى داخلها. ماذا تحتاج منهم البلاد راهنا، أي دور ينتظرهم في الظروف الحالية؟
لا أحد يستطيع الإجابة نيابة عنهم. كل ما نستطيع أن نطلب منهم أن لا يساعدوا بصمتهم وكلامهم أولئك الذين يقودون السفينة نحو مستنقع رملي، ملغوم، لا يمكن للمرء فيه أن يتقدم أو يتأخر، حيث سيضطر الناس إلى أكل لحم مماثليهم من البشر. كما وقع لمركبة "مديز" أيام أعمر بن المختار على القرب من نواكشوط.
إذا لم يحدث أي شيء من هذا، فإن المحظوظين من سينجون بأنفسهم، ويمكنهم أن يدلوا بشهادتهم يوما على هذا التحلل البطيء والنهاية المأساوية.
لن تكون المرة الأولى التي تشهد فشل بناء دولة بهذه الأرض.
في عجز القرن التاسع عشر وفجر القرن العشرين، حاول الشيخ ماء العينين عبثا، انطلاقا من زاويته في "اسمارة" أن يرسي كيان دولة تمتد من بلاد "اكزوله" (الجزوليين) إلى "سان لويس".
 إن مقدم "كبولاني" الذي يمكن القول إنه أثار الحماس الوطني وبث روح المقاومة ضد الغزاة، وفر هذا العامل للشيخ ماء العينين فرصة مناسبة.
استدعى الشيخ جمعية عمومية مثلت فيها عمليا كل القبائل حتى الصغيرة منها على امتداد هذه الرقعة الجغرافية المترامية، التي لا يصدق أحد سهولة الاتصال فيها. وعلى علمه وفضله لم يوفق في مشروعه. فهم الشيخ ماء العينين الواقع ـ إنه مجهود ضائع ـ إنه مثل من يحاول جمع الدقيق المتناثر على كثيب من الرمال المتحركة.
ترسم الشيخ ماء العينين آثار المرابطين وحذا حذو يوسف بن تاشفين.
وقبل الشيخ ماء العينين بنصف قرن، حاول الشيخ سيديا أن يستغل هالة القداسة والحكمة التي يتمتع بها لنفس الهدف. واستدعى أربعة من أمراء ما سيدعى لاحقا موريتانيا. الإمارة الخامسة كانت تعيش أزمة بعد موت خطري ولد اعمر ولد اعل قبل عقدين من الزمن، ولك أن تتخيل أنه لم يمت بالسكري في مستشفى هادئ. كانت معركة "مدال" مجزرة رئيسية لقادة أولاد امبارك من الطرفين المتحاربين، ولم تقم عمليا قائمة للإمارة بعد تلك الصدمة.
تحرك الشيخ سيديا نتيجة استفزازات "افيدرب" محاولا في حال عدم إمكان قيام نواة دولة، قيام جبهة موحدة، على الأقل، مقابل الخطر الخارجي الماثل والمتمثل في مطامع الجنرال الفرنسي على الضفة اليمنى للنهر.
ومع كل ما بذل الشيخ سيديا من توضيح الخطر الجديد القادم من الجنوب، والخطر القديم والدائم المتمثل في "السيبة" والدعوة للانسجام وتفاهة التفرقة، فإن هؤلاء الأمراء لا يفهمون تلك الرؤية البعيدة النظر.
لم يبق أمام الرجل إلا أن يستودع نفسه والمؤمنين للعلي القدير، وينكب نهائيا على عبادته.
قبل تسع مائة عام، وفي ظروف مظلمة بالنسبة لنا جميعا، غادر المرابطون هذه الربوع، متبرمين أو مدفوعين بقوة خفية، قاهرة، مخلفين وراءهم حطاما متناثرا من القبائل المتناحرة فيما بينها، لا تمل من لعبة الغارات والثأر.
الأقوياء حافظوا على أنفسهم واضعين الأصابع على الزناد، وسحق الآخرين.
بعد ذلك بزمن، انطلقت طبخة جديدة على أنقاض ذلك، داس فيها الأقوياء من هم أضعف.
إن الحروب في الصحراء لا تنتهي أبدا. تأخذ أحيانا قدرا من الوقت قبل أن تشتعل، وعندما تبدأ فإنها ترسوا وتبقى. إنها في المناخ المثالي، أكثر منها في أي مكان آخر في الدنيا.
استمرت الفوضى المسلحة التي تلت المرابطين ثمان مائة سنة.