بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص لمحاضرة رئيس الحزب التي ألقيت في ندوة بفندق الخاطر يوم 27/08/2008 تحت عنوان:
التفاعل الإيجابي بين المؤسستين العسكرية والأمنية والمشروع الديمقراطي
من أهم الأسئلة التي
ترد اليوم باطراد شديد على العاملين في الدراسات السياسية الجارية حول الوضع في
موريتانيا بعد الانعطاف الذي حدث في السادس من أغسطس 2008، سؤال جوهري يبحث واضعوه
عن الطريقة التي يمكن أن تظل بها تلك الدراسات والأبحاث خاضعة لحقائق الواقع
السياسي الموريتاني وليس للمثال النظري: واقع الدولة بكل تفاصيلها وواقع المجتمع
ومشروعهما السياسي الحديث.
ذلك أن أي مثال مهما كانت أهميته لن يقدم في النهاية لأزمتنا القائمة أكثر من جدل
يستقطب الاهتمام النظري للدارسين في بحثهم عن تجارب سابقة وتصورات عامة يرجعون
إليها في تأصيل أطروحات تظل تسعى في تقصي تجارب الأمم والشعوب محاولة إسقاطها على
الواقع الموريتاني اليوم ، الذي هو واقع بلد عجزت سلطته المدنية "
المنتخبة" عجزا كليا عن استثمار رمزيتها الهائلة التي اكتسبتها تحت بريق الإعلام
الدولي والخارجي وظمئ مواطنيها إلى ما له صلة بالخيارات الديمقراطية .
لقد عجزت هذه السلطة عن مواجهة أزمات الدولة السياسية والاجتماعية وتقهقرت فيها
ممارسات السلطة إلى مراحل من العجز والفساد وغياب الرؤية لم تخطر أحيانا على بال
أسوء من تولوا الشأن العام في العهود الاستثنائية، وكانت آخر تجليات عجزها ما
اتخذته من قرارات دفعت العسكريين إلى استعادة السلطة من جديد .
إن هذا الواقع بخصوصيته ينبغي أن يدفع بنا إلى تبني الرأي الذاهب إلى أن بناء تجارب
الأمم والدول ليس قائما بالضرورة على مساق واحد، بل لابد لكل حالة أن تقدر بضوابطها
ومحدداتها في الزمان والمكان.
وفي هذه الحالة ينبغي دراسة الوضع الموريتاني انطلاقا من تجربة الحكم في كل مراحلها
بما في ذلك المراحل الموصوفة بمرحلة الحكم الديمقراطي.
ورغم المدة الزمنية الطويلة نسبيا لهذه التجربة ـ قرابة نصف قرن تجربة ـ فإنها لم
تستطع أن تستوعب قاعدة عريضة من الشعب الموريتاني لتصبح شريكا في صنعها والمحافظة
عليها، وإنما بقيت حكرا على الجيش وبعض القوى التقليدية وتكوينها الذي يعكس غالبا
فرز مجتمع ما قبل الدولة، إلى جانب بعض المجموعات السياسية الحديثة المنحصرة في
الشعارات سواء على مستوى السياسات الصراعية أو على مستوى السياسات التفاهمية داخل
المجتمع.
إن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة في بلادنا بدأت منذ ثلاثين عاما حين
استولى الجيش على مقاليد الحكم 1978 ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم لم يقدم المجتمع
السياسي في غالب الأحيان تضحيات كبيرة في سبيل مراجعة هذه العلاقة على نحو تعود معه
السلطة إلى وضعها الطبيعي داخل المجتمع السياسي ووضع استراتيجية تجعل العلاقة بين
هذا الأخير والمؤسسة العسكرية علاقة تفاعل إيجابي وليست علاقة تخالف وانتباذ.
لا يمكن تصور قيام المشروع السياسي الديمقراطي الوطني المنتظر إلا بتشخيص وتحديد
نوع هذه العلاقة وحجمها الذي تحدده طبيعة المجتمع وطبيعة التحديات التي تواجه البلد
و التي تجوب انتماءه الإقليمي والقاري وفي مقدمة تلك التحديات مجتمعة: تراكم ثلاثين
عاما من غول الفساد وتدمير قيم العفة والأخلاق في تسيير الشأن العام وبناء قواعد
العمل السياسي على أساس فكرة تدمير الخصم السياسي القائم والمحتمل.
وقد انضاف إلى ذلك اليوم غول الهجرة بمختلف أنواعها والتطرف والتهريب والتهديدات
الخارجية سواء تلك الملاصقة للحدود أو العابرة للقارات والدول. وهي أمور في مجملها
كانت إلى عهد قريب بعيدة عن هواجس وهموم الطبقة السياسية الوطنية لكنها انتقلت
إليها على نحو جامح في السنوات القليلة الماضية بعد أن عجزت الدولة والمجتمع عن
تحصين فضائهما الجغرافي والذهني من هذه الأمور التي تعتبر في راهن الأيام هي الأكثر
فتكا بالدول والمجتمعات.
في رأينا أن بناء نظام سياسي وطني على قوام مدني صحيح لا بد أن يمر بضبط العلاقة
بينه مع المؤسستين الأمنية والعسكرية المعنيتين باستراتيجية الأمن والدفاع وهما
الاستراتيجيتان اللتان تشكلان أولوية مطلقة في ظروف بلادنا الحالية وهذه العلاقة
مرتبطة إلى حد بعيد بمدى نضج الطبقة السياسية وبمدى اتساع العملية الديمقراطية في
كافة مجالاتها السياسية والاجتماعية داخل المجتمع، وتعزيز دور المؤسسات الحزبية
التي هي الإطار الأنسب إن لم يكن الوحيد للعمل السياسي. إلى جانب بناء عقيدة عسكرية
للجيش الموريتاني منسجمة مع ثوابت البلد ودوره التاريخي وظروفه الجغرافية والعوامل
الاستراتيجية المتغيرة حوله ومواطن تهديد الأمن والسلم الداخليين والأخطار الخارجية
القائمة والمحتملة. ولا يغني ذلك كله عن التفكير الجاد بين النخب السياسية القائمة
اليوم لإيجاد ما هو ممكن ومتفق عليه من صيغ الممارسة السياسية الوطنية القادرة على
طمأنة الجيش على نحو لا لبس فيه من مخاوف عبث بعض القوى السياسية التي تكونت لديها
ردات فعل سلبية اتجاه المؤسسة العسكرية وغدت تترصدها في كل مناسبة متاحة للوقيعة
بها أو ببعض أفرادها وهو ما قد يكون له الدور الكبير في جل الأحداث الجارية اليوم،
بعد أن ألحت باستمرار بعض المجموعات على العزف المتكرر و الخوض في ملفات تتصل إلى
هذا الحد أو ذاك بمؤسستنا العسكرية وتاريخها الذي هو بالضرورة جزء من تاريخ قد لا
يكون التعاطي معه مأمون الجانب على استقرار البلد خصوصا على نحو ما رغبت فيه قوى
نافذة في النظام السابق من خلق تصادم مبكر بين تجربتنا السياسية ومشروعنا
الديمقراطي من جهة وبين مؤسسة لم يخرج عن حضنها بعد.
إن السلم الوطني ينبغي أن يكون أولوية الجميع ، ففي أحشاء التوتر لا تنمو إلا
مشاريع الفتن والتمزق وقانون العصبيات والمغالبة.
يقتضي الشروع في بناء تجربة ديمقراطية سليمة تخفيف الضغط في شرايين الاحتقان بين
المؤسسة العسكرية الحاكمة والمجتمع السياسي الممزق ، لتدرك المؤسسات الأمنية
والعسكرية بطريق الحوار الداخلي الهادئ بعيدا من كل تعويل أو تهديد بالعامل الخارجي
أن عليها البقاء خارج الاستقطاب السياسي والحزبي، وان مسلكها الأخير اتجاه النظام
السابق سيكون مفهوما ومرحبا به إذا بقي مجرد رد فعل عابر وليس فعلا يراد له البقاء.
كما أن الطبقة السياسية بمختلف مطالبة بوعي خطورة التعاطي مع المؤسسة العسكرية وفق
رؤية إيديولوجية مناهضة لدور الجيش في صيانة كل المكاسب الوطنية بما فيها المشروع
الديمقراطي، لأن هذه الرؤية في النهاية تتقاطع لا محالة مع رغبة جهات معروفة لم تدع
مناسبة تمر لتفتيت الدولة وتمييع ثوابتها إلا وركبتها، وكان راس حربتها الدائم في
ذلك تسديد السهام للجيش باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على الوقوف في مشاريع
التفتيت وسلب الهوية، التي لا يخفى أن خطابها وصل مداه المرعب في الأيام الأخيرة
للنظام السابق.