مقابلة جريدة الصحيفة مع الدكتور: عبد السلام ولد حرمة رئيس حزب الصواب
- نحن لا نقيم وزنا للمواقف الدولية لأننا نرى غياب الموضوعية في هذا الموقف ولأنه لا يقيم وزنا إلا لمصالحه فقط
الصحيفة: أعلنتم مساندتكم لانقلاب 6 أغشت مجارين في ذلك العديد من القوى السياسية الأخرى، هل كانت هناك ضرورة لانقلاب عسكري جديد في البلد وإدخال البلاد في متاهة لا تعرف حدودها؟
عبد السلام ولد حرمة: نحن لم نجاري القوى السياسية في التطبيل للانقلاب وإنما أبدينا تفهمنا له من خلال بيان أصدرناه ولا حقا ورقة تحليلية بينا فيها طبيعة موقفنا والأسباب الحقيقية وراء تبنيه، ذلك أن النظام السابق لم يستطع أن يوجد لنفسه الشرعية، فالظروف التي رافقت انتخابه لم تكن بالصورة الوردية التي قدمت للجميع وقد صاحبتها ممارسات أخلت بنزاهتها وشفافيتها، كما أن القرارات التي اتخذها ـ النظام السابق ـ والمتعلقة بالملف الإنساني وعودة اللاجئين اتخذت كلها بطريقة خاطئة وغير متوازنة، إذن نحن لم نؤيد الانقلاب ولم نرى ضرورة له ولكنه كان الحل الوحيد الممكن للأزمة السياسية التي عرفتها البلاد.
الصحيفة: بموقفكم هذا من الانقلاب تعطون العسكر شرعية لم يعطيها لهم الدستور وهو ما ينافي مبادئ الديمقراطية الحقيقية؟
عبد السلام ولد حرمة: بداية لابد من التذكير بنقطتين أساسيتين:
الأولى:أننا أثناء المرحلة الانتقالية التي تلت انقلاب 03 أغشت 2005، تقدمنا باقتراح إضفاء الصفة البرلمانية على النظام السياسي في البلد وذلك من خلال إعطاء صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية وتوسيع بالمقابل صلاحيات الوزير الأول، لكن هذا المقترح لم يحظى بالتزكية من طرف باقي القوى السياسية، الشيء الذي جعلنا ندرك أن الطبقة السياسية لم تستوعب ضرورة التغيير الحقيقي، وما زلنا نطالب بمراجعة الدستور والقوانين.
أما النقطة الثانية: هي أن المؤسسة الوحيدة المنظمة والمتماسكة في هذا البلد هي المؤسسة العسكرية والتي يقع عليها عبء حماية البلد ومؤسساته الدستورية من جميع المخاطر خارجية كانت أم داخلية.
وما دمنا بحاجة إلى المؤسسة العسكرية فإننا سوف نضر بأنفسنا إذا سمحنا لمنتخب جديد بتفكيك المؤسسة العسكرية أو محاولة تمزيقها.
لذا نرى أنه لابد من طمأنة أفراد هذه المؤسسة من خلال تحصينهم ضد أطماع ونزوات السياسيين ولن يتأتى ذلك إلا بحوار جدي بين الفاعلين السياسيين.
نحن ندرك أن المؤسسة العسكرية الوطنية لا يمكن مقارنتها بمؤسسات عسكرية عتيقة كالمؤسسة العسكرية التركية والباكستانية لكن ذلك لا يمنعنا أن نطالب بأن يتوفر لمؤسستنا العسكرية تكوينات وتجهيزات عالية تمكنها من أن تطلع بدور مماثل للدور الذي تقوم به مثيلاتها في العالم في الجانب السياسي و الاستراتجي.
الصحيفة: اتهمتم رئيس الجمهورية السابق بأنه كان يعمل على هدم الوحدة الوطنية، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مزايدة سياسية من طرفكم، كيف تردون على هذا الطرح؟
عبد السلام ولد حرمة: في الحقيقية لا أعتبر أن هناك مزايدة سياسية في ما ذهبنا إليه، ذلك أن الرئيس السابق في خطابه الموجه إلى الأمة أعلن أنه ينوي معالجة الإرث الإنساني في موريتانيا وتنظيم عودة اللاجئين الموريتانيين إلى وطنهم، وكنا قبل أسبوع من هذا الخطاب أرسلنا له وثيقة من خمس صفحات ضمناها تحليلنا للواقع الحقيقي لتلك الأحداث ودعوناه إلى فتح حوار حول الموضوع مع كافة الشركاء السياسيين، وبعد صدور الخطاب مباشرة بينا بشكل مفصل عدم رضانا لعدم تضمين الخطاب أي نص متعلق بالموريتانيين الذي سفروا من السنغال في تلك الظروف وعدم التطرق إلى حقوقهم والانتهاكات التي مورست في حقهم وكذلك اقتصار التجاوزات على فئة معينة وترك عقود من انتهاك حقوق الإنسان شملت كل الموريتانيين على اختلاف تكويناتهم وانتماءاتهم السياسية، وكنا طيلة تلك الفترة على ضآلة إمكانياتنا مصرين على عقد المهرجانات وأرسلنا بعثات إلى الداخل بينا فيها المخاطر التي قد تصاحب التطبيق الارتجالي لمحتوى ذلك الخطاب.
نحن نعترف بأن هناك مواطنين تعرضوا لبعض الظلم وانتهاك الحقوق وأن معالجة ملفهم لا تتم إلا من خلال إنصاف الضحايا وجبر الضرر المادي والمعنوي لهم.
وهذا هو شرط الوئام الوطني الذي قد لا يتحقق إذا تمت تسوية هذا الملف على حساب الملف الآخر أي لا تحل مشكلة بخلق أخرى.
الصحيفة: كيف ترون مستقبل الانقلاب في موريتانيات في ظل عدم الاعتراف الدولي بشرعيته ومناوأته من قبل قوى سياسية وازنة في الداخل؟
عبد السلام ولد حرمة: نحن لا نقيم وزنا للمواقف الدولية لأننا نرى غياب الموضوعية في هذا الموقف ولأنه لا يقيم وزنا إلا لمصالحه فقط دون الاكتراث بمعاناة الشعوب، لهذا نرى أنه يدعم دكتاتوريات في العالم وفي نفس الوقت يساعد على الإطاحة بأنظمة ديمقراطية أخرى إن لم يقم هو بذلك.
ولكن بالمقابل نعتبر أن الموقف الداخلي هو الأهم لذا ندعوا القوى المناوئة للانقلاب إلى رص الصفوف مع باقي القوى المؤيدة له من أجل تقديم برنامج واضح يطمئن إليه الموريتانيون والشركاء الدوليين ويسرع بعودة الشرعية الدستورية ويضمن انتخاب رئيس حقيقي وبإعادة الجيش إلى ثكناته والمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الجهتين (المؤيدة والمناوئة).
فعلى الجبهة الرافضة عدم تضييع الفرصة بالضغط على العسكريين والتعاون على هذا الأساس لإخراج البلاد من المرحلة الراهنة إلى مرحلة عودة الشرعية الدستورية.
الصحيفة: ألا تعتقدون أن تدخل الجيش وانقلابه على الشرعية الدستورية هو تعبير عن إفلاس الطبقة السياسية وعجزها عن احتواء اختلافاتها، الشيء الذي وجد معه العسكر المبرر للانقلاب على الرئيس الذي انفض من حوله غالبية من كان يدعمه؟
عبد السلام ولد حرمة: بالفعل هناك إفلاس للطبقة السياسية بسبب غياب أدوات العمل السياسية الحقيقية، فالأحزاب السياسية عاجزة عن استقطاب النظر إليها بسبب غياب برامج سياسية تعبر عن الهموم الحقيقية للمواطنين وهذا ما انجر عنه عجز الطبقة السياسية عن تصحيح واستدراك أخطائها، الشيء الذي أدى إلى غياب نخب سياسية قادرة على لعب دورها الحقيقي، من خلال الضغط على العسكريين وعدم إعطائهم المبرر للبقاء في السلطة.
الصحيفة: يجري قادة الانقلاب مشاورات مع بعض القوى السياسية الوطنية لتأمين الخروج من الفترة الانتقالية بأسرع ما يمكن، وهنا نريد أن نعرف مدى جدية تلك المشاورات؟ وما هي القضايا التي تم التطرق لها فيها؟
عبد السلام ولد حرمة: استدعينا من أجل إعطائنا صورة عامة عن الأوضاع التي أدت إلى إقدام قادة الانقلاب على خطوتهم تلك، وقدمنا رأينا حول الوضع العام للبلد، ولم يتم التشاور معنا حول الخطوات المقبلة، ولا نحتاج للاستدعاء لأننا نظمنا ندوة سياسية قدمنا من خلالها رؤيتنا السياسية لوضع البلد، كما اتصلنا بالأحزاب السياسية - التي من ضمنها التكتل- بهدف جمع الطبقة السياسية حول تلك الرؤى لإخراج البلاد إلى بر الأمان.
الصحيفة: هل دعيتم للمشاركة في الحكومة المقبلة، وما هو موقفكم من تشكيلها؟
عبد السلام ولد حرمة: لم ندعى للمشاركة في الحكومة المقبلة، ولن نشارك فيها إلا إذا قدم لنا برنامج سياسي واضح وبصيغة واضحة يؤكد عودة البلاد إلى الحياة الديمقراطية الطبيعية على نحو لا لبس فيه.
الصحيفة: يبني العسكريون شرعتهم على مكافحة الفساد والانسداد السياسي، وما أطلقوا عليه الانحراف الخطير في الممارسة الديمقراطية، ما هي الضمانات التي قدمها العسكريون للخروج من هذه الوضعية وضمان عدم العودة إليها مجددا؟
عبد السلام ولد حرمة: نعم كان هناك انسداد أخلاقي وسياسي ودستوري وأمني ومؤسساتي.
-الانسداد الأخلاقي: تمثل في الشبهات التي كانت تحوم حول الرئيس وأسرته والتي لم يكن يملك الشجاعة للسماح بالتحقيق حولها لنفي أو تأكيد تلك الشبهات وهو ما أفقده الأهلية الأخلاقية والمعنوية.
-الانسداد المؤسسي: لقد قام الرئيس السابق بتعطيل البرلمان ومنعه من القيام بصلاحياته الدستورية وفرض عليه التعامل مع حكومة تكنوقراط لا تحظى بدعمه.
-الانسداد الأمني: من خلال تعريض مؤسسة الجيش للاقتتال الداخلي وهو ما نجم عنه ردة الفعل التي تمثلت في استعادة الجيش للسلطة.
وقد كان الرئيس مسؤولا بصفة مباشرة عن ذلك هو ومن يقف وراءه، كما أن الفشل الذي أجمع عليه الجميع بخصوص برنامج التدخل الخاص وعودة اللاجئين والقضاء على الهوية الموريتانية وخرق المادة السادسة من الدستور وتعدد الأسفار إلى الخارج والتي بلغت حدا قياسيا بتكلفة مليون أورو لكل سفرية تجعلنا نقول أنه ليس الرئيس المناسب وأن وجوده كان خطأ.
الصحيفة: ما حدث هو انقلاب على الرئيس السابق سيد محمد ولد الشيخ عبد الله، لكن المواطن العادي لا يزال يتساءل عن من ينقلب على أوضاعه المزرية وينقذه من بؤسه؟ وبالتالي فهو يرى أن ما حدث لا يهمه بشكل كبير، فما هو تعليقكم على ذلك؟
عبد السلام ولد حرمة: هذا السؤال يطرح على الرئيس السابق الذي عجز عن التخفيف من غلاء المعيشة وزيادة الأسعار وقام بتبذير الأموال الهائلة و المعينون ببرنامج التدخل السريع لم يستفيدوا منه، ونحن نطالب الحكام الجدد بالمساهمة في خوض معركة المواطن العادي ضد الفقر والبطالة والمرض واتخاذ خطوات سريعة لتحقيق ذلك بالموازاة مع الخطوات المتخذة لإعادة الحياة الدستورية في البلد.
الصحيفة: كيف تنظرون إلى عدم تقديم قادة انقلاب 6 أغشت حتى الآن آلية كفيلة بتحقيق شفافية الانتخابات الرئاسية المقبلة، الأمر الذي يبدو أنه أصبح مثار خلاف بينهم وبين بعض القوى السياسية التي دعمتهم في انقلابهم؟
عبد السلام ولد حرمة: نلح على القادة الجدد من أجل وضع مسطرة واضحة ومقنعة لشركائهم الوطنيين كالتي قدمت في 2005 ونعتبر أن عدم وجودها لا يفيد رصيدهم وتزكيتهم، والعمل على تعزيزها بخطوات عملية مقنعة، بل إن عدم وجود هذه المسطرة يصب لا محالة في صالح البرنامج المناهض والذي يشكل خطرا على البلاد وقد يضعها ضمن مناطق التجاذب الدولي لا قدر الله.
الصحيفة: يروج في بعض الأوساط السياسية أن الانتخابات الرئاسية المقبلة سوف تعرف ترشح بعض العسكريين، ما هو موقفكم من ترشح عسكري لرئاسة الجمهورية؟
عبد السلام ولد حرمة: ترشح شخص يمارس السلطة غير مقبول ديمقراطيا في الحالة الموريتانية لأنه لن يعني إلا استمرار النموذج الذي كرسه معاوية طيلة 14 سنة وتبين أنه كان مناط الثريا من الممارسة الديمقراطية، أما ترشح شخص خارج السلطة فلا اعتراض عليه من طرفنا.
الصحيفة: في ظل عدم تحديد مدة الفترة الانتقالية التي دخلت فيها البلاد منذ 6 أغشت كيف ترون مستقبل البلد بشكل عام.
عبد السلام ولد حرمة: يوجد تخوف من المستقبل نتيجة عدم وضوح رؤية ممارسي السلطة في البلد حتى الآن وتلويح بعض الفرقاء السياسيين بالمطالبة بالتدخل الخارجي لفرض عودة الشرعية وهو ما نعتبره أمرا خطيرا ولا يخلوا من مجازفة لأن عودة الرئيس السابق هي أخطر ما ستواجهه موريتانيا ولا نراه منطقيا ولا واقعيا، ونتيجة لهذا الواقع نكون أمام حقيقتين:
- واقع مظلم وغير واضح لا تبدو معه ملامح مشرقة للمستقبل.
- الخشية من تفكك قد ينجم عن غياب إجماع داخلي لصيانة مكاسب المرحلة.