الدكتور عبد السلام ولد حرمه في مقابلة مع يومية الأمل الجديد بتاريخ 01/06/2008

 

الأمل الجديد: يصنف حزب الصواب على أنه أحد أعضاء الأغلبية الداعمة لبرنامج الرئيس الحالي سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بينما تم إشراك بعض أهم الأحزاب المنخرطة في الأغلبية الرئاسية في الحكومة الجديدة، باستثنائكم، هل كنتم تتوقعون إشراككم فيها؟ وهل ترضون بعد تشكيل هذه الحكومة المشاركة فيها في الوقت الذي يعتبر بعض أهم وزرائها –حسب البعض- من رموز التطبيع والفساد؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: أشكر الأمل الجديد على هذه الفرصة ونحن فعلا جزءا من الأغلبية ووجودنا داخل هذه الأغلبية ليس أمرا طارئا إذ انبثق بعد دعمنا لبرنامج رئيس الجمهورية في الشوط الثاني لذلك نعتبر أنفسنا في جانب الأغلبية لأن خيار الأغلبية والمعارضة خياران وطنيان ونحن إلى هذا الوقت لا زلنا نصنف أنفسنا في إطار الأغلبية، ما أوصلنا إلى هذا التحليل وما أوصلتنا إليه قراءة هذا الواقع هو أن البرنامج المعلن من طرف رئيس الجمهورية هو برنامج ينبغي أن يحظى بدعمنا وقد طالبنا أكثر من مرة بتنظيم هذه الأغلبية، وخلق إطارها السياسي، وذك ما تم على مراحل الإعلان عن تجمع أحزاب الأغلبية 20/04/2008 ، وأول امتحان أمامها كان تعيين رئيس هذه الأغلبية السيد يحيى ولد الواقف وتكليفه من طرف رئيس الجمهورية بتشكيل الحكومة، وقد استدعى أعضاء مختلف أطراف الأغلبية ودعاهم للمشاركة في هذه الحكومة، وقد عبروا بمختلف مشاربهم عن رغبتهم في المشاركة وطلب منهم اقتراحات محددة، لكن في المرحلة الأخيرة من النقاش تبين من نتيجة النقاشات أننا لسنا معنيين بهذه الحكومة، وهذا من جهة لم يضعنا في مفترق طرق، وكنا دائما موالاة إيجابية تدعم برنامج رئيس الجمهورية، أيضا نواصل دعمنا بطريقتنا وبوسائلنا مع تحفظنا على كل ما هو سلبي في هذه الأغلبية، وقد تحفظنا على قضايا أساسية في برنامج رئيس الجمهورية من ناحية اللغة العربية ومنها قضية معالجة ملف حقوق الإنسان، وأظهرنا وأبدينا تحفظنا في حينه اليوم نعطي لهذه الحكومة فرصة ونراقبها بكثير من الحذر، أما ما ذكرتم من رموز فساد وتطبيع فنحن في كل الأحوال ضد رموز الفساد والتطبيع، ونعتبر أن رئيس الجمهورية قد تعهد أمام ناخبيه بأنه سيراجع هذه القضية أمام ممثلي الشعب الموريتاني، وقلنا في مناسبات سابقة أن ممثلي الشعب الموريتاني لم يجمعوا على شيء في التاريخ الموريتاني قط قدر إجماعهم على ضرورة قطع هذه العلاقة المشينة النشاز التي ينبغي على رئيس الدولة أن يلتزم بوعده بخصوصها ويعود بموريتانيا إلى محيطها الطبيعي، ويقطع هذه العلاقة مع الكيان الصهيوني.

الأمل الجديد: يوصف حزب الصواب بأنه حزب بعثي أو يحمل مشروعا بعثيا مستنسخا من المشروع البعثي العراقي الذي يعتبر الرئيس صدام حسين الرمز الأبرز له، بينما لوحظ بعد الإطاحة بهذا النظام تقاربا كبيرا بينكم في حزب الصواب وحزب البعث السوري، مع العلم أن الحزبين عاشا ما عاشا من صراع في الماضي، ما هو تبريركم لذلك وهل أنتم فعلا حزبا بعثيا كما يصفكم البعض؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: نحن لسنا نسخة من حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي، بل نحن حزب سياسي وطني يتكون من مشارب سياسية مختلفة، فيها حزب البعث وفيها بعض الأطر الأساسيين والفاعلين في حزب الصواب، ينحدرون من المشروع السياسي والنظري والفكري لحزب البعث العربي الاشتراكي، وليس حزب البعث العراقي، وليس حزب البعث السوري، حزب البعث العربي الاشتراكي كرؤية ومشروع ميلاد فكر عربي ثوري لا يرتبط برقعة جغرافية معينة ولا تجربة قطرية معينة، وإن كانت تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي كما طبقت في العراق تجربة رائدة تستحق الإشادة، وتستحق أن تتمثل، ولكن تمثلها على نحو يراعي وضعنا نحن الجغرافي والسياسي والأمني والاقتصادي والإقليمي، من هنا فإن علاقتنا بحزب البعث هي علاقة فكرية مثل علاقتنا بجميع الأحزاب السياسية، خاصة ذات الطابع القومي العربي، أما تقاربنا مع تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا فهو تقارب طبيعي جدا، فنحن لم نكن يوما من الأيام ببعيدين عن هذه التجربة، وتقاربنا معهم تقارب طبيعي أعتبره مطلبا أسياسيا من مطالب حركة القومية العربية في الساحة، وهو تقارب كل التيارات والمشارب والآراء والروافد التي تغذي هذا التيار في مشرق المغرب العربي ومغربه، حتى أن التجربتين حالا في القطر السوري والقطر العراقي تندمجان على نحو يقوم على ثوابت الفكر القومي: دعم المقاومة، خيار رفض الاحتلال ووضع الإطار الذي يضمن السلامة الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية ذات رسالة حضارية (تحمي هذه البشرية والتاريخ)، كل هذه المنظومة التي يحملها حزب البعث وتجاربه المتعددة في العراق وفي سوريا تقاربنا مع حزب البعث السوري لا يشكل أبدا تناقضا مع (التشبث) بالتجربة التي قامت في العراق، والتي توجها الشهيد صدام حسين المجيد في ذلك الموقف الرائع البطولي الذي قدم فيه أبناءه ونفسه وعائلته وكل راحته الشخصية فداءا لهذه الأمة، وبالتالي أقول بأن علاقتنا بحزب البعث هي علاقة نفسية فكرية سياسية نضالية، وهي ذات العلاقة التي تربطنا بكل التجارب في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، فأينما وجدت تجربة قومية عربية إسلامية ستربطنا بها هذه العلاقة، وسنندمج فيها وتتقلص هذه العلاقة، كلما ابتعدت هذه التجارب عن الثوابت.

الأمل الجديد: السيد الرئيس، هل سيؤثر الموقف السوري الأخير الذي تمثل في إعلان سوريا عن استعدادها للمفاوضات مع الكيان الصهيوني على تقاربكم مع حزب البعث السوري؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: لا أظن بعد أن حصل لي شرف في الآونة الأخيرة بأن حظيت بدعوة كريمة من القيادة القومية لحزب البعث السوري ورغم متابعتي للتجربة السورية في سوريا بعد الزيارات الكثيرة لها رأيت سوريا هذه المرة هي الخندق العربي الرسمي الأخير الذي يقارع الاحتلال ويواجهه ويقف على مرمى حجر من بوارج الاحتلال، وأظن أن السوريون يعيشون تجربتهم الإستراتيجية والتكتيكية بحساباتهم الدقيقة الخاصة، ولا ينبغي لنا نحن أن نتدخل فيها إلا في إطارها القومي، حتى الساعة ما زالت سوريا في خندق الصمود خندق المقاومة خندق الرفض، وأظن أن هذا الخطاب المتجذر الذي استقته سوريا على تاريخ نضالها لم تتزعزع عنه حتى الآن في ظل ما يروج له حالا من مفاوضات، على أن موقفنا نحن في حزب الصواب هو رفضنا لكل مفاوضات مع العدو الصهيوني لا تقوم على عودة الأرض وكامل الأراضي العربية من النهر إلى البحر وهو شعارنا المبدئي.

الأمل الجديد: هل تعتقدون السيد الرئيس أن المشروع الموريتاني الديمقراطي الجديد جاء على مستوى طموحات الجماهير والنخبة السياسية الموريتانية؟ وهل يمكن إيجاد أوجه للتبيان بين النظام الحالي والسابق؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: في رأينا أن المشروع الديمقراطي الموريتاني تهيأت له الظروف أن يكون مشروعا ديمقراطيا حقيقيا، لكن رأينا هنا أن النخب السياسية وبالذات الأحزاب وهيئات المجتمع المدني الشخصيات الفاعلة في المجتمع في فترة معينة لن تستطيع أن تقطف ثمار هذا الواقع السياسي الذي وجدت نفسه بها غداة 3 أغسطس 2005، كل التداعيات التي ترتبت عن ذلك كانت إلى حد تعيش تقهقرا عن المسار، وتعيش وقوفا وركودا في المسار، ما نعيشه اليوم في الحقيقة لا يشكل تقدما فالرصيد النفسي والمعنوي السياسي للمشروع الديمقراطي الموريتاني يعيش مرحلة توقف، ولا يعيش تقدما وبالتالي يحتاج إلى خطوة فاعلة تعيده إلى السكة للتوجه نحو الأمام، وليست سكة التحرك والتوجه نحو الأمام وليس التقهقر إلى الخلف أو الثبات في نفس الموقف، النظام السابق والنظام الحالي يتباينان ويفترقان، أولا لا شك أن الحكومة الأخيرة وقعت بعد مشاورات، وهذه بادرة طيبة وسابقة في التاريخ السياسي الموريتاني، فرئيس الوزراء يجلس مع الطيف السياسي ويشاوره، هذه خطوة إلى الأمام كسرت على الأقل الحاجز النفسي بين طرفي المعارضة والموالاة، وهما طرفين وطنيين، وقد تشكلت من واقع مثل الواقع السياسي مثل الخطاب الإسلامي والخطاب القومي، وهذه بعض أهم مكونات المشهد السياسي الوطني، وقد كانت حاضرة في هذه الحكومة مع ذلك حافظت على أشياء وقضايا خطيرة، ومن مقدمة الأشياء التي كانت تؤخذ على النظام السابق سواء من ناحية التشكيل، ومن ناحية طريقة الأخذ، أو من ناحية بقاء جوهر ما كان مرفوضا من الحكومات الماضية، وسيتأكد صحة هذا الخيار أو عدمه في الأشهر القادمة، هل ما إذا كانت ستحاول وضع حد لغول الفساد من خلال تطبيق مبدأ المحاسبة ووضع الكفاءات في أماكنهم وتفعيل مبدأ العقوبة والمكافئة، أو ما إذا كانت هذه الحكومة ستؤكد للمواطن ثقته فيها وثقته في خياراتها، أو ما إذا كانت ستضعنا أمام أفعال لا أقوال، وتجعل قطيعة مع المواعيد والخطابات والبرامج التي تبقى حبرا على ورق، وحينما تتحول إلى الواقع لا يجدها المواطن، وهنا على كل حال فكل خطوة وكل إجراء سياسي لا ينعكس على قوت المواطن وصحته ودراسة أبنائه وحياته اليومية بشكل واضح يلمسه، هو قول لا معنى له يدخل في إطار الديماغوجية، واللغة الخشبية التي تعودنا عليها، خاصة أننا نعترف أن سنة كاملة ضاعت من تجربتنا، دون أن تفتح ورشات كبرى، والأيام القادمة ستؤكد إن كانت هذه الحكومة ستزيح الواقع الذي كان يقف حجر عثرة أمام الحكومات السابقة، أم أنها ستبقي الحال على ما كان؟

الأمل الجديد: لماذا يشارك حزب الصواب في الأغلبية الداعمة لبرنامج الحكومة؟ وهي الحكومة المصممة فيما يبدو على الإبقاء على العلاقة المشينة مع الكيان الصهيوني؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: هذا سؤال وجيه، لكن لا توجد أغلبية مصممة على الإبقاء على هذه العلاقة، نحن نوجد في أغلبية برنامجها يلتقي حول برنامج رئيس الجمهورية، وفي برنامجه إلتزم بأنه سيضع هذه القضية أمام الناخبين، وفي مرحلة أخرى قال إنه غير مصر على هذه العلاقة، وأنه لا يرى فائدة كبيرة فيها، وأعطى إشارة حقيقية وأساسية في سبيل التخلص منها، وكنا متأكدين وما زلنا أن هذه العلاقة تعتبر نشازا في تاريخ موريتانيا، وأنها لن تزال إلا بجهد شعبي نضالي كبير، وهذا الجهد الشعبي تقع فيه المسؤولية على الأحزاب السياسية التي أنوه بمجهوداتها الكبيرة التي بذلت بهذا الخصوص، والتي شكلت ضغطا كبيرا على الحكومة بخصوص هذه العلاقة في مرحلة أولى من أجل إيقاف التطبيع وفي مرحلة لاحقة من أجل إنهاء هذه العلاقة، وكنا نتوقع في الأشهر الماضية أننا وصلنا إلى مرحلة مهمة، وصلت قمتها حين طالب رئيس البرلمان رئيس الجمهورية بقطع هذه العلاقات، حتى حزب عادل أكبر أحزاب الأغلبية طالب في برنامجه السياسي بقطع هذه العلاقات، إذا أنا لا أرى أنه من الإنصاف وصف الأغلبية بأنها مصرة على العلاقات مع الكيان الصهيوني، ويبقى الأمر هو أن الحكومة تقيم علاقات مع إسرائيل بحكم مراث سيء وصل إليها من الحكومات الماضية، نحن نرى أن هذه الحكومة لكي تجد المصداقية ولكي تقترب من شعبها، خاصة أن الرئيس الحالي لا يحتاج دعما معينا من جهة ولا تزكية، فيكفيه الدعم والتزكية الشعبية التي حظي بها في انتخابات حرة ونزيهة بشهادة العالم، إذا عليه أن يقترب من هذا الدعم ويستثمره في سبيل قطع خطوات في إطار الخطوات الإجمالية في الساحة الوطنية، وهي خطوات تسير في اتجاه مغاير تماما للاتجاه الذي تسير فيه العلاقات مع الكيان الصهيوني، وهنا نطالب بقطع هذه العلاقة، وقد نصل في مرحلة معينة لنضعها ضمن الأولويات ومن الشروط أو الفيصل الذي يحدد موقفنا مع أو ضد الحكومة، ونعتبر حالا القضايا الوطنية مثل الظروف المعيشية للمواطنين والهوية الحضارية ووضع البلد ولغته هي مسائل أساسية في مقدمة نضالنا، وحينما نتأكد أن هذه الحكومة مصرة على التمسك بهذه العلاقة فسنأخذ موقفا مناسبا حينها.

الأمل الجديد: بعد الانسحابات المعتبرة التي شهدها حزبكم الصواب نحو حزب الفضيلة خلال الأشهر الماضية، هل أثرت بشكل أو آخر على معنويات الحزب وقواعده الشعبية خاصة أن أداء الحزب كان متواضعا في الانتخابات البلدية والبرلمانية الأخيرة؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: صحيح أن أداء حزبنا في الانتخابات الماضية كان متواضعا مقارنة مع حجمه، ومقارنة بما هو متوقع من تأثير له على الساحة الوطنية، وهذا نضعه في إطار أخطاء سياسية انتخابية وتنظيمية وتعبوية، وقعت على مستوى قيادة الصواب حينها، وعلى مستوى برنامجه في خوض المعركة الانتخابية  التي خاضها في ظرف سياسي خاص، أما قضية الانتخابات التي شهدها، ففي موريتانيا أصبحت ظاهرة الانسحاب ظاهرة مألوفة، إذ ما زالت الأحزاب السياسية تعيش ترحالا، وهذه ظاهرة لم ينجو منها أي حزب، لنذكر هنا أن هناك حزبين قوين هما: "اتحاد قوى التقدم" و"التحالف الشعبي التقدمي" وقد انحدرا من "تكتل القوى الديمقراطية"، وبقي "التكتل" حزبا قويا وفاعلا، وبقيت هذه الأحزاب قوية وفاعلة، لا أضع مثالا ينطبق على مثال، ولكن من أجل توضيح أن تلك الانسحابات لم تضرنا، بل العكس بعدها تمكنا من وضع خطة تنظيمية وتعبوية نضالية وسياسية أهم بكثير من الخطوات التي قطعنا قبل الانسحاب، وأرى أن الحزب بعدها شهد تطورا وحضورا لافت لخطابه السياسي المؤثر في الساحة الوطنية، الشيء الذي لم يشهدها في السنوات التأسيسية، ومع ذلك نعتبر أن كل انسحاب هو بسبب خلل، وهذا الخلل نمتلك حالا من الشجاعة والقدرة ما يجعلنا نتجاوزه، وأذكر هنا أن المؤتمر الذي عقد في شهر يناير 2007 كان تحت شعار "التصحيح والبناء"، وقد باشرنا هذا التصحيح على طول السنة الماضية، ولم تمنع الانسحابات من مواصلته، وأظن أننا نمتلك بنية سياسية وفكرية من أكثر البنى السياسية والفكرية تأهيلا لخوض العمل السياسي داخل الساحة الوطنية.

 الأمل الجديد: تمت في الأسابيع المنصرمة إقالة حليفكم خلال الشوط الأول من الانتخابات الرئاسية الماضية السيد الزين ولد زيدان، هل تعتقدون أن هذه الإقالة كانت واردة ومبررة أم أن الأمر يتعلق بتصفية حسابات في أجهزة الدولة كما يحبذ البعض الذهاب إليه؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: أنا حقيقة علمي بما يدور في أجهزة الدولة قليل جدا، لكن من المؤكد أن الزين ولد زيدان حليف لنا، دعمناه دعما غير مشروط، وحظي بتزكيتنا انطلاقا من مبدأ وضع الثقة في محلها ووضع الاعتبار في محله، فهو شاب يحمل كفاءات معتبرة، وبعيد من الطبقة السياسية القديمة، ويمكن أن يمثل مشروع سياسي جديد، لذلك وضعنا فيه هذه الثقة، إلا أنه بعد نهاية الشوط الأول والثاني انقطع الاتصال بيننا مع هذا المرشح لسببين: السبب الأول هو أن هذا المرشح قال ملأ أنه لم يعد مهتما بالعمل السياسي، ومحض عمله في العمل الإداري والحكومي، وانقطعت صلتنا معه لأننا سياسيون ولا نتعامل إلى مع سياسي، ومن الناحية الثانية لأن مبدأ الشراكة وما يترتب عليها لا يمكن أن يستمر إذا كانت الرغبة من جانب واحد، ونحن طبعا كانت الرغبة من جانبنا مع عدم رغبة الجانب الآخر، مع ذلك انقطعت العلاقة بشكل سلس.

أما ما جرى بعد ذلك فنعتبر أن السنة الماضية بدون أن يكون هذا نابع من ردة فعل اتجاه ما مورس ضدنا كحزب، وإنما اتجاه ما استقرأته الساحة السياسية الوطنية، نرى أنه قد يكون داخلا في إطار أن الرئيس راجع برنامجه وأصبح من الضروري بالنسبة له أن يقدم حكومة تطبق هذا البرنامج الذي لم يطبق منه شيء، وقد يكون داخلا في قضايا أخرى لا نعرفها نحن، كلما نعرف أننا نحتفظ بكامل الود وكامل التقدير له، ونرجو أن نلتقي في مناسبات سياسية أخرى معه باعتباره شخصية سياسية وطنية ومرشح سياسي وطني حظي بنسبة كبيرة، وباعتباره مواطن موريتاني وأستاذ جامعي محترم نحترمه ونقدره. لكننا تأكدنا في التجربة الماضية أن الشراكة السياسية كلما ابتعدت عن الثوابت كلما كانت على حساب هذا المشروع السياسي.

 الأمل الجديد: كنتم في صدارة الذين دافعوا عن اللغة العربية من خلال الندوات والمؤتمرات الصحفية مطالبين بتطبيق الدستور الموريتاني بهذا الخصوص، هل تعتقدون أن دعواتكم لاقت صدى مقبولا وهل تلقيتم وعودا من السلطات العليا لإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: نحن حقيقة مع غيرنا من القوى السياسية الوطنية استشعرنا خطرا خيم على البلاد وخيمت غيومه الداكمة عليها منذ سنتين وبالذات منتصف السنة الأولى من حكم المجلس العسكري، وهو التراجع والتقهقر الكبير الذي وقع في مكاسب وطنية هامة على مستوى الهوية، وعلى مستوى اللغة العربية، وعلى  مستوى الدستور، لأن اللغة العربية مبدأ مكرس في الدستور، بموجب مادة صوت عليها كل الشعب الموريتاني، هذا التراجع الكبير، وهذا النزيف المستمر، الذي وقع في مستوى الممارسات اليومية في دوائر السلطة، وعلى مستوى الحكومة، وعلى مستوى الإعلام والتشغيل ومستويات عديدة، اعتبرناه نذير خطر قد يهدد كيان الدولة الموريتانية برمتها، وقلنا ذلك في ندوات ومهرجانات وحركة سياسية مع غيرنا من الشركاء، ولعل أوضح تلك الحركات أننا شاركنا بشكل قوي في تأسيس المرصد الموريتاني للغة العربية، وهو مؤسسة نعول عليها في هذا الجانب، وقد قلنا بشكل صريح وواضح في لقاء مع رئيس الجمهورية أن هذه القضية من ثوابت الأمة، وأن مسؤوليتها تقع على فخامته الملزمة بتطبيق الدستور والدفاع عنه وضمانه والحفاظ عليه، كما أقسم بذلك، فرئيس الجمهورية هو مجسد الدستور، ولا تقع هذه المسؤولية أبدا على غيره من المسؤولين، فاللغة العربية لغة الدستور والتعامل بغيرها تعامل غير دستوري، وهي لغة هذا البلد بكل مكوناته، وقد ظلت لغة تعامل وعبادات إلى أن جاء المستعمر الفرنسي، إن عدم التعامل باللغة العربية لا يضمن تطور اللغات الوطنية الأخيرة، وإنما يضمن تدهورها، ونحن نطلب هنا ترسيم اللغة العربية كلغة رسمية، وتطوير اللغات المحلية الأخرى، أما وقع فهو تدمير الإنجاز البسيط الذي وقع في الفترات الماضية، وبالذات فترة الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع، وهو إنجاز عظيم سيسجله له التاريخ الموريتاني، لأنه حقق جزءا مهما من طموحات النخب السياسية الوطنية، التي سجنت وعذبت واضطهدت بسبب استماتتها في الدفاع والمطالبة بهذا المطلب الوطني.

الأمل الجديد: تصدر برنامج رئيس الجمهورية والحكومة المستقيلة مسألتين تجريم العبودية وإعادة اللاجئين، وكنت من بين من لا يعتبر هذه المسائل ذات أولوية بالمقارنة مع أمور أخرى اعتبرتموها أكثر أهمية، هل ما زلتم متمسكين بنفس الموقف وما هي الأولويات التي ينبغي أن تتبنى الحكومة الجديدة؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: حقيقة ملف المبعدين وملف العبودية ملفان مهمان من بين ملفات كثيرة أساسية وفاعلة، مثل ملف الإقتصاد وملف الفساد وملف الهوية، ولا تلقى هذه الملفات معارضة منا، ولكننا تحفظنا في السابق على الطريقة التي فتحت بها قبل أن يتم تصحيح طريقة الفتح الخاطئة في الأيام التشاورية، فملف الإرث الإنساني مثلا ملف واسع ومتشعب تضررت منه فئات عريضة من المجتمع الموريتاني، ولا ينبغي أن تحل فيه مشكلة على حساب أخرى، لأن ضحاياه كثر، ولا ينبغي أن يخضع لأجندة سياسية لهذا الطرف أو ذاك، ولا أن تستثنى فيه ضحية ويعترف بضحية، ولا ينبغي أن يحد في زمن معين دون أزمنة أخرى، لأن الضحية ضحية بغض النظر عن لونها وزمانها ومكانها، وينبغي إنصافها بغض النظر عن كل هذا وذاك، أما ملف المبعدين فينبغي أن يكون ملفا شاملا يشمل المسفرين الذي تعرضوا للإهانة وقتلوا وشردوا ونهبت أموالهم في السينغال.

أما بخصوص ملف العبودية أيضا نرى أنه مفيد، ولكن ينبغي أن يركز فيه على الجانب الاجتماعي والاقتصادي ويعالج في هذا الإطار وحينما تحل هذه الإشكالية سيختفي كل مظاهر العبودية والرق القائمة اليوم، والتي مظهرها الأساسي مظهر التخلف والفقر والجهل، وعندما تختفي هذه المظاهر كما أسلفت سوف يختفي الجانب الأكبر من هذا الملف، ونحن نشجعه، وينبغي أن يتم هذا العلاج بشكل شمولي وعادل ومنصف دون محاولة وضع ما يشكل دق إسفين بين مكونات المجتمع من خلال استعادة المضمون النفسي والتاريخي، فنحن لسنا مسؤولين عنه رغم ظلاميته، ورغم أنه ظالم وغير منصف، بل مسؤولين عن آثاره التي ينبغي أن نعالجها بقضايا ملموسة، بالإضافة طبعا إلى ترسانة القوانين التي نؤيدها ونوافق عليها، مثل قانون تجريم الرق، ونرى أنها تطور طبيعي لنضالات حركات اجتماعية وسياسية، نحن في مقدمتها، لكن ينبغي أن يبقى الأمر مطلبا اجتماعيا واقتصاديا أساسا، ولا يحاد به إلى نسيج المفصل الاجتماعي الشائك، الذي لن يؤدي إلا إلى انطلاق شرارات ليست مفيدة لنا وليست مفيدة للجميع، فحينما تنطلق الشرارة فإنها لا تستثني الطالب ولا المطلوب، والكل هو الخاسر وفي مقدمة الخاسرين -لا قدر الله- الشعب الموريتاني.

الأمل الجديد: هل من كلمة أخيرة؟

الدكتور عبد السلام ولد حرمه: أنا أشكر الأمل الجديد وأنوه باعتذار رئيس تحرير الأمل الجديد الأستاذ الحسين بن محنض ومن خلالها ومن خلال هذا المنبر أطلب من كل زملائي الإعلاميين، خاصة المنابر الإعلامية الجادة التي تحظى بمصداقية عند الشعب الموريتاني أن تكون حريصة في تعاملها مع ثوابت هذه الأمة، وهي معروفة يدخل فيها الدين والعقيدة والهوية وفي مقدمتها العلاقة مع وكر التجسس الصهيوني الذي ينبغي الابتعاد عنه وعن كل ما يثير الشبه حوله، وأنا هنا أتحدث عن المنابر الإعلامية الكبيرة والمحترمة مثل منبركم الإعلامي وأشكركم جزيل الشكر.

حاوره الخليل ولد بومن.

ما وقع فهو تدمير الإنجاز البسيط الذي وقع في الفترات الماضية، وبالذات فترة الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع، وهو إنجاز عظيم سيسجله له التاريخ الموريتاني، لأنه حقق جزءا مهما من طموحات النخب السياسية الوطنية، التي سجنت وعذبت واضطهدت بسبب استماتتها في الدفاع والمطالبة بهذا المطلب الوطني.

ممثلي الشعب الموريتاني لم يجمعوا على شيء في التاريخ الموريتاني قط قدر إجماعهم على ضرورة قطع هذه العلاقة المشينة النشاز التي ينبغي على رئيس الدولة أن يلتزم بوعده بخصوصها ويعود بموريتانيا إلى محيطها الطبيعي، ويقطع هذه العلاقة مع الكيان الصهيوني.

تقاربنا مع تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا فهو تقارب طبيعي جدا، فنحن لم نكن يوما من الأيام ببعيدين عن هذه التجربة، وتقاربنا معهم تقارب طبيعي أعتبره مطلبا أسياسيا من مطالب حركة القومية العربية في الساحة

 فالرصيد النفسي والمعنوي السياسي للمشروع الديمقراطي الموريتاني يعيش مرحلة توقف، ولا يعيش تقدما وبالتالي يحتاج إلى خطوة فاعلة تعيده إلى السكة للتوجه نحو الأمام،