دراسات
التحديات الاستراتيجية للديمقراطية الموريتانية
محمد يحظيه ولد أبريد الليل
الديمقراطية ليست نهاية التاريخ،
وربما تكون بمعنى من المعاني نقطة بدايته لأن جميع الآمال تفتح، وكل الأحاسيس
المحبوسة والمسكوت عليها تطفو على السطح، وكل المطالب يعبر عنها صراحة وكل الموانع
والمحظورات ترفع. العراقيل والصعوبات والتحديات وحتى المخاطر لا تنتهي بسبب بسط
الديمقراطية أو بسبب إعلان نتائج انتخابات حرة وشفافة.
الديمقراطية هي مجرد صيغة تتيح للشعب
إمكانية اختيار قادته وطرح المشاكل بطريقة أخرى وبوسيلة أكثر ملاءمة وأكثر صراحة،
بروح مواطنة أكثر انسجاما مع العقل.
مسؤوليات ومهام وواجبات الدولة تبقى
تامة وخاصة أمام التحديات الاستراتيجية المطروحة على عاتق كل دولة مهما كانت،
ديمقراطية أو مستبدة. هذه المسؤوليات تتعاظم وتتضاعف بالنسبة للدول الصغيرة ليس فقط
لكثرة وإلحاح الحالات الاجتماعية والاقتصادية المستعجلة التي تتدافع ولكن أيضا
وأساسا بسبب حالة شريعة الغاب التي تحكم المجتمع الدولي والتي تسود فيها الحسابات
الأنانية والجشع والأطماع والمنافسات، بدلا من العدالة والإنصاف وحب الغير. وكما
أنه لا توجد ضمانة اجتماعية للدول المريضة أو المصابة بالضعف أو الضعيفة من الأساس،
فإن الدولة التي تتميز بالوعي والمسؤولية، مع كونها موجودة في الفرن والمطحنة،
تتقاذفها المهام اليومية، عليها أن لا تنام إلا نوم الأرنب - بعين واحدة- لتتأكد
باستمرار أنها ليست في طريقها إلى الحصار أو أنه لا يوجد حصان طروادة، مطلي بألوان
العدالة والحق، في قلب القلعة.
قيادة شؤون الدولة هي باستمرار كشوكة
الميزان متأرجحة بين الجراحات الداخلية والتهديدات الخارجية وتتزايد مصادفات اللعبة
عندما ينضاف الاضطراب الشعبي
أوفساد الحكام إلى الريبة
الدبلوماسية.
لا يمكن لأية دولة أن تبقى سلبية أو
تتكل على طيبة الجيران وحماية الأصدقاء دون أن تعرض نفسها لأن تصبح مادة لصراع
الآخرين وهدفا لرهانهم، وبالعكس عندما تقوم الدول الصغيرة باستعمال إمكانياتها في
المناورة، مهما كانت ضئيلة، فإنها تصبح صانعة استراتيجيات، أي أنها أصبحت عامل
مصادفة أو اضطراب للآخرين. عند ذلك تصبح من فاعلي اللعبة الدولية وتصبح سياستها
سندا لمصالحها وعنصر دفاع عنها ضد التطاولات الأجنبية والهيمنات الاقتصادية.
المناورات الدبلوماسية يجب عليها أن
تندرج في إطار استراتيجية عامة، ومركبة إذا تطلب الأمر. بالنسبة لحكومة تنزع إلى
منع تنامي الأخطار أو خلق المزيد منها، فإنها تصبح أداة لرقابة التأزمات. إن
السيطرة على أزمة لا تعني بالضرورة تلطيفها ولكن، في الغالب، استعمالها لغاية
استراتيجية معينة، أي لتقدمها في اتجاه أهدافها. ولكن الاستراتيجي يجب أن لا يخطئ
في غايات سياسة منافسيه.
I-
المقاربة الاستراتيجية:
في الأصل الاستراتيجية مفهوم عسكري.
وأكبر منظر معروف للاستراتيجية، وهو اكلوز فيتش، يحددها كما يلي: "الاستراتيجية هي
النظرية التي تعني باستعمال المعارك في سبيل الحرب"، ولكن الاستراتيجي الألماني لم
يقبل أن يفرق بين الحرب والسياسة: "الحرب الواقعية أو الفعلية ليست مجهودا منسجما
ولا تبلغ مداها كما يجب أن يكون حسب مفهومها ولكنها شيء هجين، تناقض في الذات. في
هذه الصورة لا يمكن للحرب أن تتبع قوانينها الخاصة، ولكن يجب أن ينظر إليها كجزء من
كل يختلف عنها وهذا الكل هو السياسة.... فن الحرب هو سياسي في أعلى مستوى له ولكنها
سياسة تخوض معركة بدلا من أن تحرر مذكرات دبلوماسية".
مفهوم الاستراتيجية أصبح استعماله
ساريا في السياسة، ولا شك أن اكلوزفيتش شارك أكثر من غيره في ذلك التحول، والسياسة
بدون استراتيجية هي هزال وخمول وتخبط تافه. ويجب أن لا ننسى أن اللجوء إلى السلاح
نفسه هو إحدى الاستراتيجيات الممكنة في ظروف معينة وتحت إملاءات وإكراهات قاهرة،
ولذا وُجهت إلى قادة الدول، منذ عهود قديمة، هذه التوصية الغامضة: "إذا كنتم تريدون
السلم فهيئوا الحرب".
هذه التوصية كملتها الملاحظتان
التاليتان في العهود المعاصرة، الأولى:" الفراغ العسكري أخطر من التخمة العسكرية"
والثانية: "تأثير الضعف لا يقل خطورة على السلم من الإفراط في القوة".
إذا كانت الإرادة في استعمال القوة
عديمة فإن أعتى القوات قد تصبح فاقدة لأي تأثير ردعي أو إقناعي ولذلك السبب فإن
دولة مسؤولة عليها أن لا تتباهى أكثر من اللازم بسياستها المسالمة. إن ممارسة سياسة
الردع هي جزء من الدبلوماسية الوقائية. وحسب تعبير افريدريك الثاني: "إنه من الأفضل
أن تستبق وقائيا بدلا من أن يوقى منك"، ونحن نعرف أن الرجل يدري ما يقول.
من حيث المبدأ يمكن الحديث عن
الاستراتيجية من ثلاثة زوايا:
1- في حالة تهديد أو خطر كامن.
2- في حالة طموح أو إرادة أو تطلع
إلى أهداف أساسية أو إلى مستويات تعتبر مشروعة أو لازمة على المستوى المتوسط أو
البعيد.
3- في حالة انشغال أو اهتمام بالحفاظ
على وضع معين، بدون هدف إيجابي، إذا صح التعبير، بل بهدف سلبي بمعنى أن الهدف ليس
الحصول على شيء جديد أو إضافي ، فقط للحفاظ على حالة سكون.
يثرينا اكلوزفتيش حول الاستراتيجية
بهذه العبارة: "في الاستراتيجية كل شيء بسيط، وهذا لا يعني سهلا"، وعلينا أن نفك
الرمز: يعني صعبا جدا. ويوضح اكلوز فيتش ما يعني: "كل عمل في الاستراتيجية يتحقق في
نوع من الغسق يعطي للأشياء مسحة ضبابية أو قمرية، بُعدا مغاليا، توجها مضخما
وغريبا.. في الواقع فإن العلاقات المادية بسيطة جدا. الشيء الصعب هو فهم القوى
المعنوية التي تدخل اللعبة".
الاستراتيجية هي مجال الكميات الضخمة
والفضاءات الواسعة والمديات الطويلة، بينما هو العكس بالنسبة للتكتيك. مفهوم
الاستراتيجية يوحي، على الأغلب، بهدف بعيد أو صعب المنال. فهي مقاربة كثيرا ما تكون
متعرجة أو مركبة، تشرك عدة عناصر أو عدة عمليات وتنسق عدة سياسات أو مبادرات من أجل
الوصول إلى هدف يعتبر أساسيا، لا تتمكن عملية واحدة، أو بالأحرى عملية خطية، أن
تحققه، ولا يمكن التطور الطبيعي المنتظر من الوصول إليه في الزمن المناسب. بالنسبة
لكلوز فيتش يجب أولا، قبل كل شيء، تحديد المهام الرئيسية، وإذا أمكن أن تهيمن عملية
رئيسية واحدة. وفي كل الحالات يجب إبقاء المهام الثانوية في أقصى أنواع الخضوع. في
حياة الدول يتكشف، مع الأسف رغما عنا، أن حشدا كبيرا من المهام الرئيسية يتزاحم على
الأفضلية من أجل أن ينال الأسبقية.
بعد تحديد الاستراتيجية تصبح كل
المهام في حالة خضوع وغايتها وهدفها المساهمة في نجاح الاستراتيجية. إن
الاستراتيجية هي التي تحدد لها أهدافها التكتيكية ومراحلها الوقتية وتدرجها
التسلسلي على مقياسها هي وإيقاع نبضات قلب كل منها.
هذه المقاربة الخاصة بالاستراتيجية
تثريها ميزة مرافقة لازمة وهي المنطق التناقضي. مجال الاستراتيجية يحكمه المنطق
التناقضي الخاص به، والمغاير للمنطق الخطي العادي. هذا المنطق يبينه المثل الروماني
الشهير: "إذا كنت تريد السلم فعليك أن تحضر الحرب"، كما يوضحه، امتناع
الاستراتيجية، غالبا عن البحث عن الحل الأمثل لصالح حلول أخرى أكثر تعقيدا، من
شأنها أن تُخفي أو أن لا تتعرض لإجراءات مضادة والبحث عن "الخط الأقل عرضة لأن
يتنبأ به".
المقاربة الاستراتيجية تنطبق على
السياسة الداخلية، بدون أن تقتضي بالضرورة المنطق التناقضي، ولكن المنطق التناقضي
ينسجم تماما مع مجالات العمل الخارجي للدولة مثل: الدبلوماسية والدعاية والعمليات
السرية وممارسة التأثير الاقتصادي، إضافة بالطبع إلى حالة نزاع أو اصطدام جار أو في
جو ينذر بوقوعه.
II-
التحديات الاستراتيجية:
التحديات الاستراتيجية التي نحن
بصددها هي في الواقع أهداف لاستراتيجية أو لاستراتيجيات يجب تحديدها أو بناؤها،
وتهتم أساسا بالوضع الداخلي في ما هو جوهري للمجموعة الوطنية. في هذه المرحلة لا
يجوز لأي أحد أن يعفي نفسه من الخوض في اقتراح، كما يقول المفكر الفلسطيني البارز
إدوارد سعيد، الأستاذ السابق في هارفارد: "نظرة للغد تطرح القضايا الوجدانية
لمستقبلنا كشعب". إدوارد سعيد يعني طبعا العرب ككل.
بشكل عام فإن واجب الدول الأول هو
الدفاع عن الفضاء والرجال والروح، الروح تعني الكائن المعنوي لشعب معين، في خصوصيته
وتميزه السوسيولوجي والثقافي كنتاج للتاريخ.
أ- الفضاء الجغرافي:
الفضاء هو المجال الجيوغرافي
والقانوني المحدد بإقصاء أحقية الآخرين. "البلد محمي، يقول اكلوز فتيش"، ما دامت
الحدود مدافعا عنها".
1- الصحراء الكبرى:
بقيت الصحراء لزمن طويل، لمدة قرون،
هي غطاؤنا الخارجي الواقي. لم يتمكن الاستعمار من اختراقها إلا بعون بعضنا الذين
ساعدوه على دخولها ولكنه في الواقع لم يتحكم فيها. بإمكاننا أن نقول إنه هيمن عليها
نظريا، كمحمية وليس كمستعمرة. بقيت الصحراء لا ينفذ إليها، رافضة للغير، صعبة
الإنقياد، لذلك بقيت لنا، كمنزلنا الخاص، المألوف والأليف، الذي نشعر فيه بالحرية،
في مأمن من المتطفلين. النظام والأمن مصانان حقيقة من طرفنا، أحكام العدالة تصدر
عنا بما فيها أقصى العقوبات، وهو حكم الإعدام، دون علم المستعمر. السلاح متداول
ومنتشر بكل حرية، مع أنه محظور أشد الحظر من طرف المستعمر. إن الصحراء الكبرى كانت تحمينا من
الشمال والشرق مثل الفراغ الاستراتيجي الروسي، شرق جبال الأورال، الذي يحمي الروس
على مدى آلاف الكيلومترات نحو الدولة الصينية التي كانت لا تشكل إلا خطرا هامشيا
للغاية على الحدود الروسية.
ولكن الزمن تغير، ميكانيك الآلات
العصرية، وخاصة السيارات العابرة للصحاري، بدلت هذا الأمن إلى ضعف قابل للاختراق.
على مرتين متتاليتين، عام 1976 وعام
1977، وصلت إلى نواكشوط، دون أن تكتشف، طوابير سيارات عسكرية، منطلقة من تيندوف،
وقصفت بشكل مفاجئ العاصمة. خلال نفس الفترة، فترة حرب الصحراء الغربية، هاجمت
مجموعات من السيارات المسلحة، منطلقة من قواعدها في تيندوف، كلا من باسكنو، النعمة،
ولاتة، تيشيت، تجكجه، شنقيط، وادان، وازويرات. على مدى جبهة استراتيجية بهذا
الامتداد يكون طلب الاكتشاف المبكر من الجيش الموريتاني، تعجيزيا مثل طلب اكتشاف
نملة في منطقة آوكار الذي يقال إن الغزلان كانت تضل فيها أبناءها.
في سنة 2005 هاجم كوماندوز أو قوة
محمولة على السيارات، قادمة على الأرجح من الصحراء الجزائرية، ثكنة المغيطي
المعزولة، في الحنك.
إن آلاف الكيلومترات غير المضيافة في
الشمال والشرق وخلو الوسط والشمال الصحراوي، من السكان، وانعدام المراكز المأهولة،
والتخلي التام عن هذه المناطق خلال الثلاثين سنة الماضية، حوّل هذا القفر الشاسع
الذي كان هو نقطة قوتنا إلى نقطة ضعف. إنه ظهر الآن على ما صار عليه دون أن نشعر
والذي نكتشفه اليوم بذعر: بطنا رخوا، أرضا شاسعة من المحال، عمليا، مراقبتها بالصيغ
المألوفة. ويتساءل المرء هل التدابير العسكرية الكلاسيكية ما زالت مجدية ومناسبة،
وهل لا يجوز أن نبرهن على قوة خيال ونستنجد التقاليد الحربية المحلية، لاختراع نظام
دفاع مناسب.
على طول هذه الحدود الصحراوية يسود
إما انعدام الأمن وإما عدم الاطمئنان.
السلم المسلح ـ أو وقف إطلاق النار
على الأصح- بين جبهة البوليساريو والمغرب هش ولا أحد يمكنه الرهان على أن ذلك
الوضع ليس بإمكانه الإنهيار في أي وقت. الجماعة السلفية للدعوة والقتال، التي غيرت
اسمها أخيرا إلى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ما تزال نشطة على التخوم
الجزائرية- الموريتانيةـ المالية وليس هنالك ما يبرهن على أنها لن تلجأ لتدخلات
مسلحة جديدة.
أما منطقة أزواد فإنها لا تزال
مضطربة وولاؤها للحكومة المالية غير أكيد. إن نسيان شعور هؤلاء السكان ومصالحهم
المشروعة قد أحيى في السنة الماضية شياطين التمرد في ولاية كيدال، وجاء برهانا
ساطعا على أن اتفاق الصلح مع الحكومة المالية فاقد للمصداقية وأنه لم يلب المطالب
الأساسية لشعب أزواد في جوهرها. وإن التمرد الذي اندلع أخيرا عند إخوانهم وجيرانهم
في الجنس في الشرق، في صحراء النيجر، ليس من شأنه أن يهدئهم أو يثبط هممهم. على
العكس، من شأنه أن يشجع التعاون المتبادل من أجل أهداف متشابهة أو مشتركة وفي
النهاية يسهم في إشعال الصحراء الكبرى بأكملها.
إفراط الاهتمام بالصحراء الكبرى من
طرف دول بعيدة، تعتبر كما يقول ريمون آرون: "إن الأرض دائما ثمينة عندما تكون خالية
أو قليلة السكان"، اهتمام له طابع الاستفزاز وميزة هوس إشعال الحرائق.
كل بؤرة تشعلها جبهة البوليساريو أو
الجماعة السلفية أو حركات أزواد، منفردة أو متزامنة، مهما كانت ظروفها وأسبابها
المباشرة، تحتوي بطبيعتها على مخاطر حقيقية على البلد.
إن اتساع هذه البؤر أو فيضانها أو
طفحها التلقائي أو الإرادي على أرضنا حتمي الحدوث عمليا، في الظروف الحالية، ويشكل
موضوع قلق حقيقي بالنسبة لأمننا.
2- النهر:
كانت دائما الحدود الطبيعية التي
يشكلها النهر غير قابلة للاجتياح ولم يأت غاز من الجنوب قبل الغزو الاستعماري الذي
قدم من السنغال.
إن هذه الحدود النهرية كانت مدعمة
بمانعين، أولهما شعب محارب يحمل السلاح بأسره وثانيهما السد الثقافي الواقي: اللغة
والعادات منعت التسللات الناعمة وحركات الهجرة نحو الشمال. ولكن في الواقع السياسي
والاقتصادي الدولي السائد، الذي يتميز بظلم ونهب إفريقيا، فإن الاضطرابات الواسعة
للسكان التي تهز القارة السوداء، من نهر لو مبوبو إلى مشارف نهرنا في روصبيتو،
تجعل من موريتانيا إحدى المحطات المفضلة وإحدى المسطحات التي تجتاز بدون عرقلة،
سواء للمقام فيها أو كخشبة قفز نحو جزر الخالدات وأوروبا التي أصبحت بالنسبة
للأفارقة جنة الدنيا.
آلاف الأفارقة يدفعهم الفقر والشك في
المستقبل يزدحمون على الضفة الأخرى ويجتازوون الحدود الجنوبية لتجريب حظهم في العمل
في موريتانيا أو للمرور عبرها نحو الشمال.
قال اكلوز فيتش: "إن سوابق نهر محصن
بشكل فعال نادرة في التاريخ".
إن تأكيد مثل هذا من طرف الاستراتيجي
الكبير هو مدعاة للانشغال عندما نعرف أنه كان يفكر في جيوش ضخمة بينما الخطر الذي
تواجهه موريتانيا هو من طبيعة أخرى أقل وضوحا وأقل قابلية للإكتشاف وهو عبارة عن
مجموعات محدودة تجتاح حدودا قليلة أو عديمة المراقبة ممتدة على مئات الكيلومترات،
ليلا ونهارا على متن زوارق نهرية أو عن طريق السباحة.
الولايات المتحدة الأمريكية التي
تواجه الهجرة من المكسيك عبر نهر ريو اكراندي، لم تر أي سبيل فعال سوى بناء جدار
عازل من 1200 كيلومتر طولا. أما الأوروبيون، الأغنياء والكثر هم الآخرون، فإنهم
ينظرون إلى الهجرة الإفريقية ككابوس حقيقي على مستقبلهم وحاضرهم. فماذا سيقال عن
بلد من ثلاثة ملايين يمتاز بكون تشكلته البشرية والثقافية حساسة للغاية وتوازنه هش
ـ كان يؤمل أنه في حالة نقاهة إذا لم ينفخ بإفراط على الجمر- ومواطنيه يتعرضون
لصعوبات فائقة في الحصول على عمل. كما أن نسبة البطالة تقدر ب 35% فإن إضافة سكانية
جديدة تعني لا محالة انتزاع الطعام من أفواه الموريتانيين. ومهما يكن فإن التحرك بالنسبة لهذه
المشكلة وهذه الحدود بالذات يتم إن لم يكن على متفجرات فعلى البيض على الاقل، وكل
عمل أو تقصير هو محاط من قريب بحشد من المصالح والآراء المسبقة والعواطف يصعب تحديد
تأثيره ألتدميري إذا أعطيّ زخما غير مناسب.
3- الشواطئ
الموريتانية:
إن شواطئ البحر حدود جديدة تم
اكتشافها مع بروز الدولة. في الماضي، قبل الاستعمار، البحر كان لا شيء بالنسبة
لسكان الصحراء، إنه فقط المكان الذي تنتهي فيه اليابسة. البحر لا يحتوي على خيرات
محل جذب أو طمع أو اهتمام السكان، وإذا كانوا يدركون أنه يحتوي على السمك، فإن ذلك
لم يكن من شأنه أن يجعل البحر مغريا، لأن هذه المادة بالنسبة للسكان -عدى مجموعة
إيمراغن القليلة- تعتبر في حدود التلوث، محتقرة بشدة ومدعاة للتقزز.
لم تؤد بهم المهارة ولا الفضول ولا
محاكاة الآخرين إلى صنع المركبات المائية. ولاشك أن عدم المبررات شجعه انعدام مواد
البناء (الخشب).
تشكلت العلاقات مع رجال البحر
الأوروبيين، بشكل متقطع، على مر قرون، عندما كان هؤلاء الأوروبيون يأتون بحثا عن
الصمغ العربي، مقابل موادهم، أو عندما تجنح سفنهم على الشواطئ الصحراوية وياتون إلى
خيام البداة بحثا عن ملجأ.
إن هؤلاء الناجين من الغرق، الذي
يأتون من حين لآخر من الشواطئ، ظمآنين، منهكين، جائعين تائهي النفوس، لم يثيروا في
كل الحالات سوى الشفقة أو على الأكثر الازدراء.
البحر بدوره، مثل الصحراء، كان ينظر
إليه أنه وقاية طبيعية، لم تتطلب يوما واحدا الرقابة كما أنها لم تكن مرة واحدة
مصدر كرب. والدليل الواضح على ذلك هو أن البحر لم يشجع غزاة ولا عدوانيين، حتى
المستعمر عجز عن استغلاله والدنو من الشاطئ مباشرة لكي يسيطر من خلاله على المنطقة
التي ستعرف فيما بعد باسم موريتانيا. الشواطئ غير المضيافة، وانعدام الماء الشروب،
وغياب قرى وتجمعات سكنية على الشواطئ، أو قريبة منها وتشتت السكان وضعف كثافتهم على
الخلفية القريبة من البحر، فعلت فعلها وصرفت نظر المستعمر عن محاولات ستتضح بسرعة
أنها خاسرة.
البحر لم يكن بالنتيجة سوى مدد من
الماء لا متناه، مسالم ولا يأتي بأي مكروه.
الآن الأمور تغيرت كثيرا، مثلما
تغيرت بالنسبة للصحراء. بدلا من أن يكون البحر حاجزا يفصلنا عن العالم، أصبح في
الواقع هوا لصلة الأساسية مع العالم الخارجي. أصبحت المدن الشاطئية هي أثمن وأنفع
المدن وأسهلها اتصالا كما أنها بالمقابل هي أكثر المدن ضعفا ليس فقط أمام الهجرة
غير الشرعية ولكن أيضا في حالة خطر خارجي. أصبح الآن، ينظر إلى البحر أنه مصدر ثروة
وحتى مصدر قوة. ذهب البعض إلى القول: لا يوجد بلد صغير له واجهة بحرية.
لم يعد هنالك بلد يكتفي بشواطئه
القريبة وتمددت المياه الإقليمية إلى مئات الكيلومترات. جعلت الثروة السمكية
والثروة النفطية والغازية تحت المياه وغدا معادن الأعماق في البحر دافع صراع مرير
بين الدول بسبب ما يحتويه البحر من خيرات وما يمثله في ذاته ولكن لأنه أيضا يمكن من
السيطرة على الأرض القارية.
أمام هذه المعطيات سوف لا نتعجب من
كون الدول القوية، إضافة إلى احتوائها على خيراتنا السمكية، تريد أيضا السيطرة على
مجالنا البحري، على مياهنا الإقليمية وشواطئنا.
كل سلطة، وخاصة إذا كانت ديمقراطية،
ستقيّم قبل كل شيء على مقدرتها على الحفاظ على صلاحيات السيادة غير القابلة للتصرف
وعلى رفع التحدي الذي يتكلم عنه الجنيرال ديغول: "إن دولة لا تتحمل مسؤولية الدفاع
الوطني لم تعد دولة".
ب- الرجال:
إذا كان الإطار الجيو- استراتيجي،
الصحراء، والبحر والنهر، الذي من المفروض أن يكون ثابتا قد تغير، أي أن نظرتنا
وإدراكنا لهذه المعطيات المادية يتغير، وأن هذا الإطار ليس ساكنا أو جامدا، بل
نسبيا، بالنسبة إلى الإطار الجيو- استراتيجي العام الذي يحتويه، فذلك يعني أن
الرجال وحاجاتهم وتطلعاتهم ومثلهم المبدئية خالون من المطلق ويتحكم فيهم بدرجة
زائدة قانون ديناميكية التطور والتغيير المستمر في الأشياء والظواهر.
إذا كان بإمكاننا أن نحافظ على مصطلح
الحاجات والتطلعات، والمبادئ، فإن علينا أن نبحث في بعدها النسبي، أي في الواقع، ما
يمكنها أن تعنيه في عام 2007، هل هي بدرجة من الثبات والعمومية لكي تستحق الاستهداف
ومن جهة أخرى هل هي بدرجة من الواقعية تجعلها منسجمة مع مستوى تطورنا وقدرات وعينا
السياسي لكي تكون في متناول التحقيق على مدى دورة انتخابية، لأن كل أفق آخر في
الديمقراطية هو مضلل.
1- تأمين المواطنين:
الحاجة الأولى الملحة للناس هي
الأمن، أمن أرواحهم وأملاكهم.
المواطنون المسالمون تجتاحهم موجة
قلق على أنفسهم في قعر منازلهم، في نومهم، وعلى أموالهم. فهذه حالة لا تحتمل
بالنسبة لبلد ليس في حرب داخلية. الأمن العام لا معنى له إذا كانت
المواطنة غير محددة وغير مصانة. إذا كانت الأوراق الموريتانية - بطاقة التعريف
والجنسية- في مهب الريح ينالها من يريدها، مجانا أو بثمن بخس، في زمن الهجرة السرية
والفوضى السكانية العالمية، فإن مستقبل البلد سيصبح على كف عفريت.
2- العدالة:
إن العجز في هذا المجال كبير والتطلع
عميق. وهنا لا نعني العدالة الصغيرة بالمعنى المحدود، عدالة القضاة، لأن هذه أولا:
ليست من أسس السياسة. ثانيا: لأنها جزء من الإدارة وإذا أصلحت الإدارة فإنها ستصلح
في نفس الوثبة، وأخيرا فإن عدالة القضاة ليست، موضوعيا، على أبواب الإنصاف والحق،
لأن ذلك يتطلب شرطين:
أولا: أن يسلم القضاة أنفسهم لروح
مهنية دقيقة وأن يكونوا قضاة يعذبهم وخز الضمير، وهو مكتسب صعب المنال ويتطلب وقتا
طويلا لكي يسري في جسم متأكسد، وأخيرا يتطلب الأمر وعيا عاما يحتاج هو الآخر إلى
تكوين عام لم يحصل عليه معظمهم في الأصل وهو من تلك الأمور التي لا تكتسب بعد عمر
معين أو يصعب دخولها في السلوك.
ثانيا: أن تكون القوانين عادلة. إذا
كانت القوانين تهمل الجور والتعسف وتجاوز السلطات والجرائم الكبيرة في حق المجموعة
الوطنية فإنه ليس بإمكانها أن تكون عادلة.
إن عدالة القضاة ستكون عادلة عندما
يخضع لها الحاكمون والأغنياء.
العدالة التي تستحق أن تكون هدفا
أساسيا هي العدالة الكبرى ذات المضمون السياسي التي لا تحددها قوانين معينة ولكن
تطبقها الدولة بكليتها، في جميع إجراءاتها بجميع مؤسساتها ووكلائها انطلاقا من
مبادئ اسمى من القوانين. إن هذه العدالة المتأصلة بعمق في ثقافتنا ومخيلة المواطن
ربما تعبر عنها اللغة العربية بنبرة وإيقاع أكثر تأثيرا في أنفسنا بالعدل. فهي التي
تُعني عندما نذكر مآثر عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي ونرمز
إليها محليا ب:"عافية أحمد ولد امحمد".
هذا المفهوم للعدالة في إدراكنا
يمتزج بالمفهوم العصري للمساواة، المساواة في الحظوظ، المساواة في الحقوق وتعبر عنه
فقط دولة متجردة تقف باستمرار إلى جانب المظلوم، والضعيف وصاحب الأهلية والكفاءة.
إنه طموح عميق، إنها قيمة عليا
يريدها الرجال دائما ويقبلونها مهما كانوا وهم مستعدون للتضحية من أجلها والدفاع
عنها. يقول توكفيل إن الرجال يريدون المساواة في الحرية ولكن إذا لم يحصلوا على
الحرية فإنهم مستعدون للموت من أجل المساواة تحت السيطرة.
لا عدالة مع بقايا العبودية البغيضة
وبوجود مواطنين من درجة ثانية، ولا عدالة مع مواطنين فوق القانون بسبب مالهم أو
سلطتهم أو أصلهم.
3- تكوين الرجال:
إن شعبنا قليل العدد، في عالم اليوم
الذي لا يرحم، لايمكنه أن يراهن على شيء سوى النوعية، والنوعية هي تكوين الرجال.
تكوين الرجال ليس إنتاج مهندسي المعلوماتية والميكانيكا والأطباء ولا "أطر مقتدرة
لاقتصادنا" كما يقول البعض، لأن هذا سيحصل تلقائيا أو كنتيجة لتكوين بدون تمييز
وحرية الاشخاص في اختيار مهنهم وتخصصهم. كل هذا ليس هو المبرر الرئيسي ولا الهدف
الأعلى.
تكوين الإنسان لا يبرر خارج الإنسان.
إذا لم يكن الإنسان هو المرجع الرئيسي فإننا على متاهة. بدون المقياس والأساس
الإنسانيين فإن السياسة تكون ممارسة فارغة من الجوهر ودون قيمة، مجرد مسرحية.
تكوين الرجال يعني ويوحي بتكوين
المواطنين. ولكن علينا أن لا نفهم ذلك كما لو أنه فرض قواعد حياة بالقوة أو بالضغط
الاجتماعي من أجل أن يكونوا "مواطنين جيدين". الأخلاق الاجتماعية ليست مسألة
الدولة. مسؤولية الدولة هي توصيل العلم، عن طريق التعليم العام، لكي تتكون عند
الطلاب الروح النقدية الموضوعية وأن تتشكل لديهم قابلية وقوة الذهن للتفكير وتتجسد
لديهم استقلالية الرأي. هذه الملكة لا تتكون إلا بالفلسفة - الفلسفة هي المكان الذي
يظهر فيه العقل كقوة مطلقة، يقول هيغل ـ والعلوم الإنسانية، والسياسة كفكر وليس
كعلم.
النظام التعليمي الذي سيهيؤ لهذا
النوع من التكوين لم يوجد بعد.
4- مشروع اجتماعي يضمن
ظروفا مادية لحياة لائقة:
إن الرجال لكي يشاركوا في عملية
جماعية، ويحسوا أنهم معنيون وشركاء، ولكي يفوا تلقائيا بواجباتهم وفي النهاية لكي
يكونوا مواطنين حقا، يجب أن لا يشعروا دائما أنهم محرومون وإنما أحيانا مستفيدون
بحد أدنى من الظروف المادية، تلك الظروف التي تتيحها وسائل بلدهم: الغذاء، اللباس،
السكن، والعلاج الصحي. إن شرفهم يبدأ من هنا. بدون هذا الحد الأدنى فإنهم لا
يتمتعون بشرفهم. إنها لمهمة فاضلة: إعطاء المواطنين احترامهم واستقلالهم الشخصي
بدخل مستقر، وبعمل دائم. إن المواطنين لا يفهمون، بل لا يقبلون، تلك المفارقة: بلد
غني ومواطنون فقراء. هذا التناقض يجب أن يوضع له حد. إما أن يكون الغنى الذي يسمعون
عنه أسطورة وإما أن يكون بؤسهم لا مبرر له. هناك مسألة لا تقبل الجدال وهي أن مبالغ
التبذير والاختلاس الضخمة لأموال الدولة كان من شأنها أن تحسن من ظروفهم.
إن تحسين ظروف حياة السكان تتطلب ،
من بين ما تتطلب، اختيارات سياسية واجتماعية لا غنى عنها. إن الليبرالية لن تحسن من
تلقاء نفسها من الظروف المادية لشعب، بل على العكس فإن "الإصلاحات الهيكلية" لصندوق
النقد الدولي والبنك الدولي من شأنها أن تستمر في سحق الطبقات الفقيرة والطبقة
الوسطى مع إنتاج أرقام وقحة تدل على أن الراسمالية في أحسن حالة مثالية أي أنها في
أحسن حالة من الظلم. المجتمع المنهار، العائلات المدمرة، آلاف المواطنين الملقيين
ضحية للبؤس، المرغمين على التسول المباشر أو المقنع، المرضى المكدسون في قاعة
انتظار معرض الجثث، كل هذا لا يحرك شعور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ولا
يزعزع ثقتهم المطلقة وظافريتهم المطمئنة.
إنهم سيحتجون بقوة وبتسرع مهددين
برفع ضمانتهم إذا استحدث مركز عمل في الوظيفة العمومية ولن يشيروا، حتى بشطر كلمة،
إلى مليارات تم اختلاسها علنا.
يقال إن النار تتغذى بالحطب وتلتهم
الهواء. تبدو هذه المؤسسات تتغذى بالبؤس وتلتهم الشعوب الضعيفة.
إن منطق ومسلمات الليبرالية المتوشحة
قد وصل إلى حده.
إن اختيارات أخرى، نتيجة لعمق الأزمة
الاجتماعية، أصبحت ضرورية ولكن بشرط ابستمولوجي أساسي وهو أن لا ينظر إلى الاقتصاد
على أنه غول أو آلهة جديدة فوق الإنسان وإنما وسيلة لخدمته. إذا كان الأمر كذلك فإن
نتائج الاقتصاد ستهدف إلى خلق مراكز عمل، والإدرار بدخول، ومنح دراسة، وبناء مساكن
وجعل اسعار الأدوية وأسعار المواد الأولية الضرورية متناسقة مع الدخول الضعيفة.
يقول جون غلبرايت - وهو ربما أكثر
علماء الاقتصاد تميزا في النصف الأخير من القرن العشرين ـ إن الاقتصاد هو تطبيق
المعقول على الحقائق وهدفه إرضاء حاجات الإنسان الشخصية والجماعية وليس نظريات
باطنية فارغة.
ربما لا يكون إفراطا في غلظ الذهن أن
نعتقد بفائدة مبدأ اجتماعي في الحياة وأن نرى من المشروع الطموح إلى إصلاح أخطاء
الماضي وتجاوزاته وظلمه وجوره.
5- الإندماج المغاربي:
يقول افريدريش لست،
أحد رواد الإندماج الألماني، إن التنمية المتوازنة غير ممكنة إلا داخل إطار يتمتع
بالاتساع ويقول البعض اليوم أن الحد الأمثل يتجاوز المائة مليون ساكن.
إن موريتانيا لا تتمتع بالشروط
المثالية لا من حيث عدد السكان فقط وإنما أيضا من حيث القوة الاقتصادية والبنية
الذاتية من أجل تنمية ذاتية ولا توفرلوحدها الإطار الكافي لمشروع قابل للتنفيذ،
موضوعيا، بينما الانشغال الملح لكل قائد مسؤول هو توفير الاستدامة لشعبه والحصول
على الإطار المناسب للمستقبل، في عهد التكتلات، وفي وضع موريتانيا فهو أيضا السبيل
إلى إخراجها من البؤس والتخبط والعجز.
إن المغرب العربي، بخلاف ذلك، يوفر
أو يقترب من إمكانية توفير الحصول على الإطار المناسب لتنمية متوازنة، من حيث
السكان والموارد المتنوعة وطاقاته الزراعية والصناعية وقدراته الفنية والعلمية
والثقافية. إذا كان المغرب العربي، بإجماع المغاربة أنفسهم والمراقبين، هو مشروع ذو
مجموع إيجابي للكل، فعلينا رغم ذلك أن لا نطلب منه أن يكون مثل الطفل الكلبري الذي
يسبح قبل أن يعرف السير على الأقدام. ولو أنه يترتب علينا أن نتوجه إليه تحت طابع
الاستعجال، فعلنيا أن ندرك أن أعضاءه لا يتوفر بينهم، في هذه المرحلة، المستوى
الكافي من الانسجام السياسي لبناء سياسي.
إن فضاءا تتوفر داخله حرية التنقل
للأشخاص والبضائع، في هذه المرحلة لهو خطوة جبارة. يجب أن نتوجه إلى المغرب العربي
بتواضع كوحدة اقتصادية أو سوق مشتركة. وبهذا المعنى يمكن البدء فيه بين اثنين أو
ثلاثة.
ج- الدفاع عن الروح:
إذا كان واجب الدول أن تدافع، لكي
تستحق اسمها وشرعيتها، عن حوزتها الترابية والوجود المادي لسكانها، فإن عليها أيضا
بنفس الإلحاح أن تدافع عن روح شعبها،
الكائن المعنوي والاجتماعي، أي
الخصوصية والتميز الثقافيين.
إن الشعب مستقل عن المجال الجغرافي،
إنه موجود كتأكيد هوية وانسجام، مجموعة مترتبة حول قيم معنوية واجتماعية. إن أي شعب
يؤكد وجوده المستقل ويشارك بفعالية في التعددية المنتجة للتقدم بدفاعه عن خصوصيته.
إن الشعوب الصغيرة في العالم المتخلف
مهددة في كينونتها بخطر الغرق في الفضلات الطاغية للثقافة الغربية. إن فرض ثقافة
أجنبية ومكافحة الثقافة الوطنية، بمشاركة الأقوياء، يهدد بإيصالنا إلى حال
اللاعودة: وضعية الاستلاب وقطع الجذور.
نعرف مصير حضارات الهنود الحمر، قبل
الكلومبية. هذه الحضارات اللامعة انهارت بسبب الهجوم الشرس عليها من قبل
الأوروبيين. إن الهنود الحمر إثر فقدان ثقافتهم فقدوا توازنهم، وبعد السيطرة عليهم
واستلام الكنيسة المسيحية لهم وتعاملها لهم كأطفال، قد فقدوا كل طعم وكل ذوق للحياة
وعاشوا في بؤس معنوي تعس. إنهم لم يعودوا يستوعبوا أي شييء، وتصرفوا كالآلات وفقدوا
الذاكرة المباشرة. نتذكر الحادثة الشهيرة المثيرة للشفقة: كانت الكنيسة تدق الجرس
عند منتصف الليل لتذكرهم بالواجب الزوجي، لأنهم إذا تركوا لمبادرتهم الخاصة حتى ذلك
لن يطرق لهم بالا.
الروح والكائن المعنوي الذي يجب
الحفاظ عليه ليس الماضي. يجب، ويجب خاصة، التخلص من عاهات الماضي: التخلف الذهني،
الظلامية والإديلويجيا التقليدية التي تقطع طريق التقدم الاجتماعي والعصرنة
الثقافية والعقلانية. ما يجب الدفاع عنه هو الثقة بالنفس، تلك الشعلة، تلك الطاقة،
تلك الحيوية الذاتية التي مكنت من مواجهة المحن والمعاناة عبر القرون، والتي هي
وحدها التي ستمكن، اليوم وغدا، من مواجهة المجهول والعقبات. إن هذه الأداة وهذه
القوة هي التي ستمكننا من التكيف مع العالم الحديث وامتلاك جوهره لا قشوره.
لا نقلا جراحيا تعسفيا وإنما انسلاخا
ذاتيا نحو العصرنة. الانسلاخ تجدد، استعادة شباب، تكيف، بينما النقل الجراحي هو
تبديل لعضو وضعف بالضرورة.
الحفاظ على الروح والثقافة الوطنية
يمر بالحفاظ والدفاع عن اللغة العربية. إذا بقيت اللغة العربية في هامشيتها، محاربة
على النسق الحالي، مع مباركة الدولة، فإن مصيرنا قد ختم: شعب مسلوب سيفقد كل صواب
ومعنى في الحياة وكل رجاء في المستقبل.
في ما يخص اللغة العربية يبدو أن
هناك أحكام مسبقة وعقد خارجة عن الزمن والعقل يصعب، موضوعيا، استيعابها.
إنه أصبح الآن من المتعارف عليه عند
المربين والمفكرين أن أي شعب لا يمكنه أن يتفتق ويصل إلى النمو بدون لغته الخاصة.
إن أمثلة اليابان والصين وفيتنام وماليزيا تبرهن بشكل رائع على دور اللغة الوطنية
في التقدم والتطور. أمامنا إذا: إما مثل الصين وماليزيا وإما نماذج هايتي
وقوادلوبه. لنختار بينها. إن الاختيار، في الواقع ، نظري لأنه
ليس اختيارا سياسيا وإنما حضاريا ووجدانيا. لا أحد يمكنه أن يتجرأ إلى حد أن يدوس
تراكم القرون ويحرم ويسب الأجيال القادمة. الاختيار الوحيد الممكن والمعقول،
بالنسبة لنظام جديد نابع من اختيار الشعب، هو إعطاء المشاكل الأساسية المعطلة
حلولها وتحقيق ما عجزت أو امتنعت عنه الأحكام محل الجدل في جميع مناحي الحياة
العامة، انسجاما وتطبيقا لتطلعات أغلبية المواطنين.
* * *
هذه الأهداف الاستراتيجية لا تحتوي
على أسبقية زمنية ولا ترتيب تدريجي في القيمة، بالمعنى الصحيح، كما أنها ليست
متصارعة ولا متضاربة، بل يجب الاعتقاد أنها متكاملة بمعنى أنها تهدف إلى تهيئة وخلق
الظروف المناسبة للدخول المباشر في فترة نقاهة ومن ثم الوصول إلى وضع عام من
التوازن التجانسي، إذا صح التعبير.
كلما كان التوجه متزامنا وقويا نحو
هذه الأهداف كلما كانت الفرصة أفضل تحقيق نتائج إيجابية، لأن حركة شاملة في جميع
الاتجاهات من شأنها أن تخلق الحماس وروح التنافس الإيجابي وأن تخلق جو تعبئة عامة
وترفع معنويات السكان والمنفذين وتعطي الانطباع أن عهدا جديدا يشرق.
قال مونتسكيو: إن الهزائم في الحرب
منقوشة في السير العام: "السير العام للأشياء يؤدي إلى كل الإخفاقات الجزئية". إنه
من الضروري إذا أن نعتقد، في الحالة المغايرة، أن السير العام للأشياء يؤدي إلى كل
النجاحات الجزئية.
القوة الأساسية التي تنعقد عليها
جميع الآمال والتي ستقود الهجوم العام هي الدولة، الدولة التي تراجع أغلاطها وتتقوى
بتحديد أهداف من شأنها أن تسمو بها وتحفزها.
كان من المنافي للعقل أن نضع الدولة
كهدف استراتيجي يلزم إنقاذه وتحسين أدائه. لا أحد يجهل المآخذ عليها والنقد
والسخرية الموجهة إليها يوميا، ولكن لن نسقط في فخ البلهاء الذين يطالبون بتصحيح
جهاز الدولة أولا ثم العمل ثانيا.
الدولة تضمر أو تتيه، ولكن ليس من
المبالغة إذا قلنا أنها خاضعة إلى مجرد نبرة اهتزاز: حركة أو كلمة من رئيسها تقضي
على الهوان والتيه. فهي تشبه إلى حد ما القطار الذي يربط، هناك، بين الزويرات
وانواذيبو: كل تلك العربات الكثيرة وثقيلة الوزن وتلك القاطرات المعقدة خاضعة لحركة
بسيطة من السائق.
إن حظوظ الدولة في تصحيح أخلاقها
وإعادة استقامتها واسترجاع قوتها تترتب على العمل من أجل تحديد أهداف تمليها حاجات
ومصالح وطموحات البلد.
أما فيما يخص الحفاظ على نفسها
وقوتها فإنه بإمكاننا أن نطمئن إلى رأي اسبينوزا الذي يجزم أنه بالنسبة للدولة:
"إنقاذ الدولة هو القانون الأسمى".
إن الديمقراطية لكي تكون مقنعة ودالة
في الواقع، ومتميزة نوعيا عن الصيغ المخيبة للآمال على مدى 47 عاما، عليها أن تثبت
بالملموس أنها الأفضل ويصعب تصور ذلك إلا باقتحام العقبة التي ظل الجميع يتحاشونها،
العقبة التي لا يمكن عبورها إلا بجسر النظرة الاستراتيجية الشاملة. بهذا تبرز
الديمقراطية تفوقها، وتلاقي حظها، وبخلافه سوف نتبع خطى التجارب السابقة ونواصل
إنتاج العبثية السيزيفية التي نرفع فيها الصخرة المرهقة منذ 47 عاما ونراها تسقط،
رغما عنا، باستمرار