بسم الله الرحمن الرحيم

ورقة بعنوان

"مسيرة المقاومة الوطنية حتى الاعتذار الايطالي للشعب الليبي"


ندوة حول المقاومة الشعبية ودلالات الاعتذار الايطالي لليبيا
القسم الثقافي
بمكتب الاخوة العربي الليبي انواكشوط

فندق الخيمة/انواكشوط
الاربعاء 2009.01.21 مسيحي

 محمد عمر غرس الله
المستشار الثقافي بمكتب الاخوة العربي الليبي انواكشوط
عضو هيئة التدريس بجامعة ناصر الاممية
 

1: مقدمة : لمحة تاريخية :
تعد المقاومة الوطنية عملا طبيعا وردة فعل طبيعية يدافع بها الانسان عن نفسه فالدفاع عن النفس حق يكفله الحق فالوجود والحق في الحياة فلا يمكن تصور ان لا يكون للانسان حرية في الدفاع عن نفسه في مقدمة الحريات التي يمارسها الانسان سوى بوعي ابو بدونه بطريقة غرائزية، هذا الحق الذي لم يتخلف شعب من الشعوب عن استخدامه وبكل ما امكنه من قوة وارادة في دفع العدوان عليه في مختلف العصور وما الحديث عن شرعنة المقاومة او شرعيتها من عدمها الا حديث من ذئب في معرض اشتهائه للفريسة وحديث من واهن لم يقوى على المقاومة ولا يريد للاخرين مقاومة محتليهم ومستعمريهم.
ان المقاومة الشعبية الليبية التي توالت عبر الحقب ضد الغزاة عبر العصر تشكل انموذجا من نماذج الفخر في المقاومة ومواجهة الاعداء من حقب سحيقة مع خطوط التماس والتوسع الذي شهدته البشرية في مسيرت حياتها الحافلة بالغزوات والطامعين منذ بدء الخليقة فالوجود البشري في الاقليم الغربي للمنطقة العربية (شمال افريقيا) ما سمى عموما بليبيا التي كانت تطلق على عموم المنطقة منذ عصر ما قبل التاريخ حيث كانت المنطقة موطئا لعدة موجات من الهجرات القادمة من الشرق حيث توزعت تلك قبائل مبثوثة في مساحة طريق الهجرات عبر العصور وامتزجت بتاثيرات محيطها شرقا امتدادا للجزيرة العربية ولمصر القديمة وحفظت الاثار المصرية اسماء هذه القبائل وصور رجال منها، وتلاطمت الموجات البشرية شرقا وغربا في الامتداد الجغرافي غير المحدود انذاك، وكذلك تلاطمت جنوبا وامتزجت وتلاقت مع المد البشري القادم من البرزخ الجنوبي الرابط بين جنوب غرب اسياء وشرق افريقيا والذي حمل على خط السير هذه الموجات القادمة من الحضارة الكبيرة انذاك في جنوب جزيرة العرب في اليمن وامتزج ذلك مع موجات الفينيقيون عل الساحل من الشمال والقادم من فينيقيا حيث انشأؤ مراكز تجارية لهم في أويا ولبدة وصبراتة اشتهرت باسم المدن الثلاثة (طرابلس)، استمرارا الكنعانيين ومن بعدهم الحميريين الذين سلكوا جميعا طريق القوافل والانتقال منذ افريقش حيث جاؤ بسفنهم بمحاذاة الشاطئ وجاءت في زمن لاحق خيول الفاتحين الاوائل للدين الجديد الذي حمل احد بنات الحميرية الا وهي العربية القرشية التي نسخت بالقران بقية اللهجات الحميرية المتقوقعة الي يومنا هذا في بعض الجيوب وتعممت العربية القرشية بالقران الكريم الذي حفظها وجعلها لغة العصر وعولمة ذاك الزمان.
هذا التلاطم الكبير كان لابد له من المواجهة في حقب متتالية مع الشمال الذي كان قريبا بالمسافة الجغرافية خصوصا مع تطور الملاحة البحرية في البحر المتوسط وصعود امبراطوريات ضخمة كانت في مراحل متعدد تتواجه مع الامبراطوريات الناشئة في جنوب البحر المتوسط والطامحة لاخذ مكانتها في محيطها منذ عهود سحيقة في عصر قرطاجنة التي كان لقائدها حنبعل طموح مبرر في ان تكون له مكانة في محيطه الذي اصطدم مع المطامع للامبراطوريات الشمالية التي حاربها وانتصر عليها في مراحل وهزمته في مراحل لاحقة منتقمة منه بحرث مملكته وسحقها وزرعها بالملح، غير ان الصدام لم يكن لينتهى امام المواجهة الفينيقية مع الامبراطوريات الشمالية التي كانت ولا تزال مع كل زمن تطل براسها للعودة بعد طردها من الساحل الجنوبي ولعل ظهور القوى العربية الاسلامية مع الامتداد الحضاري المعنوي الذي اعطى للجغرافية والديمغرافية روحا جديدة مع الاسلام جعل المواجهة اكثر وضوحا وتميزا في النمط الحضاري الذي اصبح مع الاسلام روحا وجسدا مرتبطا بمستقبله الذي حارب وكافح فيه الموجات الصليبية الواحدة تلو الاخرى فما ان يطرد الصليبيين من مكان حتى يحلون في اخر وتتجدد المواجهة التاريخية التي كانت تدور للسيطرة على المقدسات في بيت المقدس وتنتقل لتحل في الجزء الغربي من الوطن كان اشهرها انتقال فرسان القديس يوحنا (بقيادة بطرس الناسك) من بيت المقدس الى رودس الى مالطا كقاعدة متقدمة في مواجهة الامة الصاعدة باسلامها وروحها الجديدة التي هزمت الروم والفرس في اول ايامها وهي في عصر اخر تواجه المد الغربي القادم يرفع الصليب شعارا له، ورغم دحرها في كل حقبة الا انها عادت مع منتصف القرن الثامن عشر بعد دخول منطقتنا مرحلة الظلام الكبير مع الحكم التركي لاربعة قرون الذي انتهى باتفاقيات تخلت فيها تركيا على ما كانت تسميه الولايات العثمانيةبداية القرن الماضي وعاد الشمال من جديد يجر صليبه نحونا مدعيا انه الشاطئ الرابع لروما ومدعيا له حقوقا في ما اسماه الجزائر الفرنسية والسودان الفرنسي باحثا عن مبررات مثل لطمة المنشة، وقسمنا حسب اطماعه مدعيا اننا رعايا امبراطورياته مدعيا ايضاانه جاء ليعلمنا وانه سيقدم لنا الحلوى ويقيم الولائم وسيحي جنازات رسمية لزعمائنا مثلما قال الملك الايطالي عن مهمته في ليبيا وكنا رأينا ما جاؤ به الينا، وكان اجدادنا فعلوا ما يجب عليهم فعله دون نقيصة رغم ضيق ذات اليد والفارق المأهول في الامكانيات لكن الايمان كان هو الفارق الحقيقي في تلك المعركة التي سجلت بحق وبجدارة قدرة المقاومة الوطنية بايمانها على تحقيق النصر.
المنهجية :
سوف اعرض في هذه الورقة مسيرة المقاومة الوطنية وحركة الجهاد ضد الغزو الايطالي لليبيا ودلالة للاعتذار الايطالي للشعب الليبي وصداه، عن فترة الاحتلال التي امتدت لنحو ثلاثون عاما من القتل والذبح والنفي للشعب الليبي الامن الذي فوجئ بداية شهر اكتوبر التمور 1911 ببواخر وبوارج تقذفه بالحمم وتقتل نسائه واطفاله حيث ساقدم: اولا عرضا لمسيرة الكفاح الليبي على الارض حتى طرد الطليان صبيحة الفاتح من سبتمبر 1969 مسيحي، ثانيا: مستعرضا المهمة التاريخية التي صعدتها ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة منذ البيان الاول للثورة يوم 1969.9.1 بدء باجلاء القواعد وتحرير البلاد من القواعد والتاميم وتاسيس القيم الاجتماعية على كفاح المستعمر وبناء الجيل المدرك للتاريخ تحقيقا للاستقلال الحقيقي، ثالثا: مستعرضا الاعتذار الصريح من ايطاليا للشعب العربي الليبي، وألاصدائه العالمية للقرار، خاتما الورقة باهمية الاستفادة الدولية للشعوب المقهورة من الخطوة الليبية التاريخية بتسجيل السابقة الاولى في التاريخ كتكفير عن الجرائم التي لا يمكن منع وقوعها مرة الاخرى الا بامتلاك القوة الضمان الوحيدة لعدم تكرار ذلك وجهوزية المقاومة الوطنية لأي طمع ونهم.
                                   اولا : المواجهة مع الشمال وعرض مسيرة الكفاح والمقاومة الوطنية الليبية :

يسجل الاهتمام الايطالي بليبيا مع وصول الدولة العثمانية منتصف القرن الثامن عشر الى مرحلة التحلل وضعف الدولة المركزية بالمقابل صعود امبراطوريات اوروبية اخري وصراعات داخلية اوروبية في مواجهات بينية في البلقان وصعود القوى الاستعمارية الاوروبية وعلى راسها بريطانيا وفرنسا اللتين سارعتا الى احتلال اطراف الدولة العثمانية ونجاح بريطانيا في تأليب الجناح الشرقي للعرب في الجزيرة العربية على الحكم العثماني واحتلال فرنسا للجزائر والمغرب وجنوب الصحراء الكبرى، وقرارها احتلال تونس جعل ايطاليا تفكر في تعويض ما فاتها من سبق التهمته فرنسا في تونس، حيث شكل التجاذب الفرنسي الايطالي نقطة مهمة في مرحلة احتلال ليبيا التي كان الطليان قد اسسو فيها بنك دي روما المقدمة الاولى للاحتلال، و رغم ان فرنسا نابلوين ساهمت في تحرير شمال ايطاليا من احتلال النمسا لها تحولت ايطاليا فيما بعد الى حلف مع النمسا والمانيا ضد فرنسا التي كانت تعارض تحرر روما بالذات من السلطة الابابوية وجعلها عاصمة لايطالليا السياسية وهو ما احدث صدعا في العلاقات البينية بينهما وازداد التوتر حينما احتلت فرنسا تونس القريبة من ايطاليا والتي توجد بها جالية ايطالية كبيرة، وازاء ذلك كان ثمة منظرين وراء فكرة احتلال ليبيا حيث يعتبر الامبراطور جوفاني جوليتي رجلا من رجال الحكم الايطاليين البارزين الذين نظرو الفكرة احتلال ليبيا بعد ان مر بجميع مراحل ادارة شؤون البلاد السياسية وهو الذي دافع عن سياسة الاستعمار في البرلمان الايطالي منذ عام 1882م الذي كان عضوا بارزا فيه وهو الذي اذاب جليد المشاكل بين ايطاليا وفرنسا عندما تولى رئاسة الوزراء الايطالية وعمل على تحسين علاقتها بفرنسا وروسيا التي تعهدت بالاعتراف بحقوق ايطاليا في ليبيا مقابل التزام ايطاليا بالموافقة والتعاون لفتح مضيق الدردنيل 1907م وفي نفس العام تازم الوضع مع حكومة النمسا والمجر عند ضم البوسنة والهرك لتلك الحكومة لكن جوليتي اسغل ذلك من اجل المساومة للاعتراف النمساوي بحق ايطاليا في احتلال ليبيا اما بريطانيا فلم تكن لها ظاهر النية في احتلال ليبيا وهي المكتفية بالشرق العربي والهند، اما المانيا فكانت قلقة جدا من التقارب الايطالي الفرنسي حيث استغل الماكر جوليتي مرة اخرى هذا الشعور لمساومة المانيا حيث استطاع اقناع كل الدول الكبرى بتاييد احتلال ليبيا وبذلك استطاع ازلة كل العقبات التي كانت تعترضه في سبيل مشروعه حيث بدأت إيطاليا خطتها الاستعمارية بإرسال بعثة علمية أثرية إلى طرابلس سنة (1328هـ= 1910م) برئاسة الكونت "سفورزا" تحت ستار البحث عن معدن الفوسفات، وإجراء حفريات أثرية، ولكنها في الحقيقة كانت تقوم بمسح الأراضي الليبية، وعمل خرائط دقيقة لها تمهيدًا للعمليات العسكرية المرتقبة، حيث عمل جولييتي بعد اعادة تكليفة بتشكيل الحكومة عام 1911 على استقطاب رئيس الحزب الاشتراكي الايطالي شارحا له اهدافه علنا ونواياه باحتلال ليبيا حيث ان الشارع العام الايطالي لم ينسى ماسي محاولات استعمارية ايطالية سابقة والتي كان ضحيتها العمال والفلاحين الذين كان يقودهم الحزب الاشتراكي (الطبقة العاملة المحرومة اقتصاديا) والتي كانت تطالب باصلاحات اقتصادية لكن الماكر جوليتي عند تشكيل الحكومة الجديدة قدم في اعلانه البند الاول والثاني ما هو مطلوب من اصلاحات داخلية وفي البند الثالث احتلال ليبيا واستطاع ان يقنع بيوسولاني ببرنامجه وعرض عليه الوزارة وتم استقطاب الحزب الاشتراكي واقحامه في الحملة الاستعمارية رغم عدم قبول بيوسولاني بالوزارة الا انه قبل برنامج جوليتي للوزارة بما فيه احتلال ليبيا الامر الذي سهل له اقناع الراي العام بسهولة الحرب في ليبيا وكانها نزهة، حيث لم يترك جولييتي عاملا الا ووضفه لمشروعه الاستعمار بما في ذلك العامل المناخي الذي اعده في الخريف محددا انه لن يكون بمقدور دول البلقان في هذا الفصل القيام بردة فعل قبل انتها فصل الشتاء نظرا لوعورة التضاريس الفاصلة بين ايطاليا والبلقان وشدة البرودة والثلوج التي تعيق التحركات العسكرية من هناك.
2. مرحلة الهجوم والمقاومة :
اصدر جوليتي لاسطوله بالتحرك الى سيراكوزاء استعدادا للتوجه نحو شواطئ طرابلس الامنة وشارك في اعداد التحضيرات العسكرية وفرض مضاعفة عدد الجنود ووصلت البواخر يوم 3 اكتوبر 1911 الى الشوطئ وهو اليوم الذي اعلنت فيه ايطاليا الحرب على الدولة العثمانية، حيث دكت البواخر الايطالية المدن الليبية الامنة بالقذائف والحمم بدون معرفة السبب من قبل السكان الامنين حيث أنزل الايطاليون قواتهم في المرافئ الليبية الرئيسية وسرعان ما سيطروا عليها. ويقول شاهد عيان: عندما وصلوا إلى شواطئ طرابلس.. رسى قارب صغير، نزل منه ضابط إيطالي حاملا الإنذار بتسليم البلاد في 24 ساعة.. كان ذلك يوم 2 أكتوبر.. وقفت مجموعة من الناس ترقب القارب من بعيد.. لكن وكيل الوالي رفض توقيع ورقة الاستسلام.. في اليوم التالي، يوم الثلاثاء 3 اكتوبر، عند الساعة الثالثة بعد الظهر انتهى موعد الإنذار وشرعت سفن العدو في القصف وخاصة على قلعتي السلطانية بجوار سيدي الهدار والحميدية قرب سيدي الشعاب.. واستمر إلى اليوم التالي.. كانت القلاع ترد.. ومع كل قذيفة مدفع كانت البيوت تهتز.. في يوم الخميس توقفت مدفعية الاستحكامات.. ونزل البحارة الطليان إلى ‘المدن الساحلية: طرابلس، الخمس، مصراته، بنغازى، درنة، بفعل القوة العسكرية المحضة، حيث تلقت القوات التركية امرا رسميا من حكومة حقي باشا بالانسحاب وترك طرابلس للايطاليين بدون قتال اي تمكينهم من احتلالها.
واستمرت المعارك في الشط والهاني والمرقب وكل المناطق التي استهدفتها البوارج الايطالية، وهكذا وخلال أيام، أنزل الطليان قرابة ألفى رجل من رجال البحرية لضمان الأمن فى مدينة طرابلس قاموا بالتمركز فى التحصينات والثكنات والنقاط الهامة لسور المدينة.. وأصدر الجنرال كانيفا بعد وصوله طرابلس منشورا في 10 اكتوبر 1911 من 700 كلمة يدعو فيه الليبيين للتسليم ويسوق فيه الحجج الدينية التى اعتقد انه سيقنع المقاومة بها في مجموعة نقاط هي :
ان الحملة الايطالية جاءت لتعيد لليبيين حريتهم وحقوقهم.
احترام الدين والعرف والعادات.
ان مجيئ ايطاليا لليبيا هو تنفيذ لارادة الاهية.
ان من يثور على ايطاليا سيكون الانتقام منه كبيرا متحدا بذلك الارادة الالهية. " حبيب الحسناوي مجلة الشهيد عدد 1983 العدد الرابع "
وفي الوقت نفسه هاجم الإيطاليون برقة من البحر، واستطاعوا احتلال طبرق في (24 من شوال 17 من أكتوبر 1911م)، وتوجهوا إلى بنغازي، وقد تصدى لهم المجاهدون من الليبيين والأتراك بالإضافة إلى عدد كبير من الشخصيات العربية، وكان ذلك بداية ظهور المجاهد الكبير عمر المختار.
وفي فجر يوم الإربعاء، 6 ديسمبر 1911، نصبت المشانق في الساحة [ ميدان الشهداء بمديمة طرابلس وعند الصباح تم شنق 14 مجاهدا ’’ واستيقظ الناس ليجدوا في مواجهتهم طابورا من المشانق، علقت فيها أجساد طاهرة من الشيوخ والشباب.. منظرا ظل محفورا في أعماق الجميع هذا وقد أباد الإيطاليون أهل المنشية التي تقع شرقي مدينة طرابلس، ولم ينج من تلك المذبحة البشعة حتى الأطفال والنساء والشيوخ، وامتدت مجازر الإيطاليين إلى غيرها من البلدان، حتى قتلوا خلال ثلاثة أيام نحو سبعة آلاف مواطن،، وبلغت فظائعهم وجرائمهم مبلغًا كبيرًا، فقد هتكوا أعراض النساء، وأعدموا الكثيرين دون تحقيق أو محاكمة، وأسفرت إيطاليا عن وجهها الاستعماري القبيح وأطماعها الاستعمارية الدنيئة، وهي تبيد شعبًا أعزل هب ليدافع عن حريته.
وبذلك تمكن الايطاليون قبل أن ينصرم شهر أكتوبر نوفمبر - من احتلال طرابلس وطبرق ودرنة وبنغازي والخمس، ثم ما لبثوا أن سيطروا على برقة.
وفي (6 من نوفمبر 1911م) أعلنت إيطاليا بسط سيادتها على طرابلس وبرقة، فقابل الليبيون ذلك بمزيد من المعارك والثورات، وهاجموا استحكامات الإيطاليين في أنحاء متفرقة من البلاد، وقد تصدى لهم الإيطاليون بوحشية شديدة.

وحيث ان الورقة لا تعتمد تتبع حركة الجهاد في ليبيا بكل تفاصيلها الشائكة والدقيقة والتي تتطلب مجلدات من الكتابة واياما كثيرة من التفاصيل فانني اكتفي بعرض الاحداث التاريخية لتبيان ما امكن من دلالة للمقاومة الليبية للمستعمر الايطالية في مقاربة قسمتها الى مجموعة مراحل تمر عرضا على الاحداث بما يخدم فكرة الورقة ومنهجها، وفق الاتي :
1. سمات حركة الجهاد ضد الغزو الايطالي :
اتسمت المرحلة من المقاومة الليبية بالهجمات الخاطفة السريعة، ولكن كفة الإيطاليين العسكرية كانت هي الراجحة على طول الخط السواحل، نظرًا لما يمتلكونه من أسلحة حديثة متطورة، وما يتميزون به من حشود عسكرية منظمة، بالإضافة إلى تحالف الدول الاستعمارية الكبرى مع الإيطاليين ضد الليبيين وبالرغم من إمكانات الإيطاليين العسكرية الضخمة، والتحالفات الغربية المريبة ضد الشعب العربي الليبي، لم يكن الغزو الإيطالي لليبيا عملية سهلة بالنسبة للإيطاليين، فقد قاومهم الشعب الليبي بكل فئاته، وأرقت هجمات المجاهدين الخاطفة مضاجع المستعمرين وتبين لكل المحتلين ان النزهة التي صورها لهم جولييتي لم تكن سوى ورطة كبرى لايطاليا فضلت فيها الهروب للامام بالمذابح والمشانق والابادة الجماعية غير ان الهبة الشعبية اطلقت دعوة الجهاد من شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي، وتوافدت جموع المتطوعين إلى ليبيا لمشاركة الشعب الليبي في جهاده ضد المستعمر الإيطالي حيث تسجل لنا الكثير من المصادر من المدن المجاورة مثل تونس يوميات الجهاد ضد الطليان الذي شارك فيه كل العرب بدون تخصيص فرادا وجماعات حيث تسجل لنا احد البرقيات العاملة بين التراب الطرابلسي وتونس وصول عدد من هجانة الطوارق من عمق الصحراء الكبرى تحت قيادة السلطان أمود أقا حامد، كان هؤلاء قد وصلوا إلى غريان وفي طريقهم إلى العزيزية للمساهمة في حركة المقاومة، تقول البرقية (وصلت جماعة من هجانة التوارق تحت قيادة الشيخ أمود أفندي، قوامها إثنان وثلاثون، منهم ثلاثون مسلحون ببنادق المارتين واثنان غير مسلحين، وأفاد شيخهم بأنهم غداً صباحاً متوجهون إلى العزيزية للالتحاق بالمجاهدين بخط الحرب، هذا وتسجل لنا برقية صحفية اخرى وصول عدد آخر تطوع من سكان ورقله ووادي سوف بالجزائر حيث جاء المجاهدون بحمولة(30) جمل كهدية للمساهمة في الجهاد الإسلامي ودفاعاً عن ديار الإسلام، وفي هذا الخصوص قال عنهم الصحفي (وأخبروني بأن رحلتهم استغرقت شهراً كاملاً وذلك بسبب السير البطئ لجمال الحمل التي أحضروها معهم، وهناك أفراد من قبيلتهم في طريقهم إلى ميدان القتال ولكنّهم لم ينتظروهم وذلك لرغبتهم في الوصول بسرعة للمشاركة في القتال.وطبقاً لمراسل صحيفة (الزهرة) التونسية الذي كان في العزيزية، فإن محلة محمد الأمين الشنقيطي القادم من اعماق الصحراء الكبرى (اتراب البيضان) عن طريق غات، قد حلّت بالعزيزية، ومن وصفه لها فقد تميّزت بكثرة عدد أفرادها من المقاتلين حيث سجل بالحرف ان جميع المجاهدين القادمين مسلحون ببنادق من طراز موزر ومارتين إلاّ القليل منهم، فطفنا في محلتهم، فرأينا رجالاً... يذكرون الله بكيفية تخشع عند سماعها، وكلهم ذاهبون إلى القتال بوجوه مستبشرة وعزيمة لا تزحزحها مدافع العدو ولو بلغت ما بلغت.
معاهدة اوشي لوزان عام 1912 :
لم تكن معاهدة اوشي لوزان الا نتيجة للحالة التي وصلت اليها الامبراطورية العثمانية التي وقعت صك التخلي عن ولاياتها في المغرب العربي وتركت المواطنين الليبيين يواجهون مصيرهم حفاة عراة تحت وطاة انحسار قوة الدولة العثمانية المسماة فيما بعد بالرجل المريض الذي عصفت به الاضطرابات الممولة من الدول المعادية لهذه الامبراطورية حيث وقعت تركيا هذه المعاهدة رغبة منها في ان تتخلى لها ايطاليا عن جزر ايجة التي احتلتها من تركيا مقابل انسحاب تركيا من ليبيا، مفسحة المجال كليا لايطاليا للتفرد بالليبيين حيث اصبح لايطاليا موطئ قدم على الارض الليبية بعد مضي عام من القتال الشرس والمقاومة الباسلة التي والحق يقال ان بعض الضباط الاتراك ساهموا فيها بفاعلية في الايام الاولى للغزو بل وساهما بعضهم في تنظيم الصفوف الوطنية وشحذ الهمم غير ان توقيع الاتفاق التركي الالماني حول اتجاه السياسة التركية من مناصر للمقاومة الوطنية الى محاولة تحويل مسارها خدمة لهذا الافاق الذي كانت تعول عليه بقايا الدولة العثمانية حيث تم لاحقا محاولة توجيه جهود المقاومة في المنطقة الشرقية من مقاومة الطليان الى فتح جبهة مباشرة ضد الانجليز في الصحراء الغربية الواقعة بين ليبيا ومصر حاليا حيث يوجد الانجليز، من اجل صرف نظر المقاومة على مواجهة الاحتلال الايطالي الشغل الشاغل لكل الليبيين حيث وقف المجاهد احمد الشريف بصلابة ضد هذا التوجه الذي يضع المقاومة بين فكي كماشة الانجليز من الشرق والطليان من الشمال والغرب، الامر الذي يفقد المقاومة مصدر مهم من مصادر التمويل والدعم والمساندة مما جعل الاتراك يبيعون لاحقا احمد الشريف ويضغطون عليه، رغم اعترافهم بقدرته ودوره في المنطقة الشرقية حيث انفردت المانيا وتركيا بالتنسيق مع ادريس السنوسي الذي نسق مع الطليان منذ المرحلة الاولى ليوجه الحركة الوطنية نحو اهداف تخدم الاتفاق التركي الالماني ويخدم الهدف الايطالي باشغال المقاومة الوطنية في حرب اخرى بدلا عن تحرير البلاد من الطليان غير ان للمجاهد احمد الشريف فاعلية كبيرة في الجهاد في المنطقة الشرقية لما يتمتع به من نفوذ شعبي ديني في المنطقة ولما له من علاقات وطيدة مع الضباط الاتراك الذين دافعوا عن حامياتهم ونظموا في الايام الاولى للهجوم الايطالي على درنة عملية المواجهة والمقاومة رغم سير العملية السياسية بين تركيا وايطاليا في غير ما يعرفه هولاء الضباط في اتفاق لوزان وتخلى تركيا عن ليبيا الا ان عمليات التنظيم والتدريب استمرت بدفع من احمد الشريف الذي كان يتمتع بنفوذ كبير لدي انور باشا ونائبه مصطفى كمال اتاتورك حيث عمل الشريف على استنهاض الهمم وتنظيم الصفوف،هذا وفوجئ باتفاق لوزان الشهير الذي تخلت به تركيا عن الليبيين العزل مما عزز تصميمه باصدار كتابه الشهير (بغية المساعد في احكام المجاهد) الذي افاض فيه بالحديث عن " الواجب المقدس لكل مسلم ازاء رفع راية الجهاد ضد الغزاة رغم كل الصعوبات مستنكرا فيه انماط التذرع والتحجج بضعف المسلمين وقوة المعتدين مذكرا المجاهدين بانهم مامورون سماويا برفع عصا الثورة برغم ما يملكه المعتدي من عتاد وعدة "، وهو الذي نقلت عنه مجلة النار المصرية مطلع عام 1912 رفضه أي تفاوض مع الطليان بعد ما عرضت عليه المانيا وتركيا الصلح مع الطليان من اجل توجيه المجاهدين لحرب الانجليز في مصر بشرط دعهم له بقوله (ولا تصدنكم عن جهادكم كثرة عدد فان قوة الايمان يتلاشى جنبها كل عدد فجموعهم المعسكرة مكسرة ولا ترتدوا على ادباركم لضعف من بعض امرائكم) وحذر من ترك الجهاد قائلا (ان ترك الجهاد خروج عن الدين واذا كان القاعد عنه خارجا عن الدين فكيف بمن يبايع الكفار بحطام الدنيا على قتال المسلمين فالله الله عباد الله اخلصوا انفسكم واعراضكم من ايدي الكفار واغسلوا يا ذوي الهمم ملابس مرؤتكم من العار وجاهدوا بالانفس والاموال...).
هذا وكان لخروج احمد الشريف من ليبيا اثر كبيرا على المنطقة الشرقية بعد فتنة المقاومة الوطنية التي لعب فيها ادريس السنوسي دور ابي رغال بشقه لصف المقاومة والاتفاق مع الطليان والالمان لتاديب المجاهد احمد الشريف لعدم انصياعه لمشروع حرب الالمان ضد الانجليز وترك الطليان يذبحون النساء والاطفال، حيث تم اشعال الفتنة مما اضطر احمد الشريف للمغادرة وترك لواء الجهاد لشيخ المجاهدين عمر المختار ورفاقه الذين تسلموا الامانة بكل صدق وقاوموا المستعمر واذنابه في كل موقعة من مواقع المواجهة للمقاومة الوطنية الليبية التي لم تكن مفصولا عن اهلها في مصر والسودان وتشاد حيث بقت جثوة المقاومة الى اخر يوم في حياة شيخ المجاهدين عمر المختار.
اما في المنطقة الغربية فقد كان المشهد العام في مخاض كبير وكان للمقاومة الوطنية الدور الكبير في المواجهة وعمليات الفرز الاجتماعي التي لعب فيها الصراع القبلي دورا كبيرا في عمليات تقدم القوات الايطالية وانحسارها في مناطق اخرى حيث انطلقت المعارك بعد الهاني والشط وسواني بن يادم والنوفليين الى معركة العلالقة والعجيلات غرب ليبيا ثم الى ترهونة امتدادا الى معركة القنة في بئر الغنم ثم بير الحميراء حتى الملحمة البطولية في الوخيم التي توحدت فيها الصفوف المجاهدة ضد الغزاة ومن والاهم من (المطلينين كما نسميهم) والتي استخدمت فيها ايطاليا الطائرات الحربية لتفريق جموع المجاهدين وخيولهم غير ان النصر كان حليف المجاهدين حتى جاء المدد العاجل من زوارة الى الوخيم وصعد لاول مرة الطليان الى الجبل حيث كانت معركة السلامات الشهيرة التي ذبح فيه المجاهدون ما يقارب عن ثلث الحملة الايطالية وذبح فيها الطليان اغلب النساء والاطفال ودمر الابار وغمرها ودك البيوت وشرد الفقراء والعجزة وامتدت جثوة الجهاد بالانتصار الباهر في الكردون التي كانت ضربة قاسمة للطليان حيث سقطت حامية ايطاليا في الزنتان وداس سنابك الخيول علم ايطاليا المثلث الالوان مما اضطر الطليان لتجريد حملة على الاهالي بتهمة مساندة وتقديم العون للمجاهدين الذين رحلوا جنوبا باهلهم الى الرملة في العرق الكبير لبحر الرمال العظيم وبقت الاسر الفقير تتضور جوعا في وسط رمال الصحراء الكبرى، حيث لا تصل عربات السفاح قرتسياني الراغب في الاتجاه نحو فزان للمرة الثانية عبر الصحراء الكبرى في لقاء لخط السير الاخر من الجفرة نحو فزان عبر سرت، ولقد كان للشيخ المجاهد محمد عبد الله البوسيفي الدور الكبير في العمليات الحربية التي قام بها المجاهدون ضد القوات الايطالية حيث حمل لواء استمرارية الجهاد في مناطق القبلة حتى استشهاده في معركة قارة محروقة على رحمة الله ورضوانه
معركة فروتن ـ مرسيط :
شكلت معركة مرسيط جنوب مزدة نقطة فاصلة في معارك المنطقة الغربية فيما يخص الاتجاه نحو السيطرة على الصحراء باتجاه فزان حيث ابلى المجاهدون البلاء الحسن ضد القوات الايطالية امثال سالم عبد النبي الزنتاني ومحمد عبد الله البوسيفي واحمد السني وعلي الشنطة الذين حملوا لواء استمرارية الجهاد في مناطق القبلة، هذا وكان لمجاهدي الزنتان ومن معهم من الرجبان والقديرات والصيعان والسبعة والغنائمة واولاد مادي والعواتة الدور الكبير في مواجهة ومحاربة القوات الغازية المدجج باحدث وسائل ذلك العصر، وفي 28 الحرث التور 1914 فاجاء المجاهد سالم عبد النبي الزنتاني الحامية الايطالية في القاهرة بسبها صحبة 40 مجاهدا بعملية استيلاء على القاهرة واسقاط العلم الايطالي والتكبير (الله اكبر) على اعلى القلعة بما عرف بمعركة القاهرة والتي كانت ضربة قاسمة لايطاليا في فزان، حيث انسحب العقيد مياني يجر اذيال الهزيمة والحقد يملاء قلبه الامر الذي جعله فيما بعد يعبئ جيوشا جرارة لاستعادة منطقة القبلة بان تحرك في اتجاهين الاول نحو منطقة القبلة (1400 مسلح) لا ستعادة السيطرة عليها وهي القوة التي اصطدمت بالمجاهدين من الزنتان ومن معهم من الرجبان والقديرات وقنطرار وقديرات في معركة وادي مرسيط في 1915.4.7 بقيادة الشيخ احمد السني جنوب مزدة حيث دارت رحى معركة ابدت خلالها معظم القوات الايطالية وكانت صدمة عنيفة للايطاليين.
القرضابية 29 ابريل 1915 وقيام الجمهورية الطرابلسية :
والثاني: نحو سرت حيث ضلت ايطاليا رغم هزيمتها في معركة مرسيط (فروتن) مستمرة في تنفيذ خطتها حيث دارت معركة القرضابية القاصمة التي جرت في 1915.4.28 وكان هدفها القضاء على المجاهدون والسيطرة الكاملة على المنطقة والربط بين الجبهتين الغربية والشرقية واستعادة منطقة فزان لسيطرتهم من جديد، لكن احلام مياني تبخرت حين انكسرت جحافل قواته من الايطاليين والاحباش والباندة امام حشد المجاهدين الذين امسكوا زمام المبادرة ببدء الهجوم عليهم مما جعله يرتبك ويتغير وضع جيشه وبالتالي ينقلب الموقف عليه راسا على عقب الامر الذي فرض على بعض قادة الباندات موقفا انقلابيا بعد هزيمة مياني كصحوة للضمير الذي يسجل بماء من ذهب بحسبان نتائج هذه المعركة الوطني الفاصلة حيث شكلت هذه المعركة انكسار اخر كبير للجيوش الايطاليه حتى داخل المدن الساحلية الكبرى التي يسيطرون عليها مثل طرابلس والخمس فبفضل وتعاون كبير بين المجاهدين وبتوجيهات من الشيخ المجاهد احمد الشريف الذي كان يتولى الجبهة الشرقية من المعركة تم للمقاومة الوطنية هذا الانتصار وايضا وكذلك المجاهدون محمد سوف المحمودي واحمد سيف النصر ورمضان السويحلي.
ان معركتي مرسيط جنوب مزدة والقرضابية جنوب سرت تعدان من اهم المعارك الوطنية التي شكلت اللحمة الوطنية بمشاركة مجمل القبائل الليبية فيها والتي كان يهدف من خلالها الطليان فتح الطريق لأعادة احتلال فزان عبر خطين من القوات لكن المجاهدون والمقاومة الوطني كسرت ظظهر هذا المخطط.
لقد شكلت أعوام الحرب العالمية الأولى، وتداعيات معركة القرضابية ومرسيط التي ـ وحّدت الليبيين وحدة حقيقية في مواجهة القوات الأيطالية ـ مخاضاً طويلاً وعسيراً للواقع الليبي في منظوره العام ولاحقا كان لهزيمة المانيا وتركيا في الحرب العالمية الاولى اثر كبيرا على الاوضاع في ليبيا حيث تبلورت فكرة الجمهورية الطرابلسية في مصراتة اثر اجتماع بين سليمان الباروني ورمضان السويحلي حيث عقد لاحقا مؤتمر مسلاته في 16/11/1918(17) وولدت منه الجمهورية الطرابلسية بزعمائها الأربعة: سليمان الباروني، رمضان السويحلي، عبد النبي بالخير، أحمد المريّض، وبنظامهـا وبمجلسهـا الأستشـاري وبـ (الأمير عثمان فؤاد) و (عبد الرحمن عزام! – وبصحيفتها (اللواء الطرابلسي)، حيث انتخب مجلس رئاسة من 4 رؤساء ومجلس شورى من 24 عضوا ومجلس شرعيا من 4 علماء، ثم عقد صلح سواني بنيادم في أبريل 1919، الذي إنهار في فترة قصيرة ولم يصمد أمام سياسة (التفريق) و (اللعب على الحبال) التي أجادها الأيطاليون بقصد زرع الفخاخ والأنشقاقات بين الزعماء.
اساليب الاستعمار :
ان الحديث عن الاساليب المتبعة في تحقيق النصر بالنسبة للقوات الايطالية كانت قائمة بالدرجة الاولى على الابادة الجماعية حيث تؤكد المصادر ان مجموع عدد سكان ليبيا كان يقارب مع بداية 1900 ما يقارب عن 2 مليون نسمة وكانت حصيلة الحرب الايطالية قد حصدت ما يزيد عن800.000 بين شهيد ومشرد، بمعنى حسابي ان كل اثنين قتل او شرد منهم واحد وهي نسبة عالية جدا بالمقارن بعدد السكان علاوة على الامراض والتخلف وحشد الليبيين للقتال في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل بشحن الالاف الى اريتريا للقتال هناك وتجنيد المواطنين للقتال في صفوف المحور في معارك ايطاليا، هذا ويمكن باختصار حصر الاساليب التي كانت الاداة الاساسية في اخضاع السكان والاستقواء على العزل والنساء والاطفال والتي تتركز في الاتي :
المنافي : النفي لعدد 5000 ليبي من ارضهم الى جزر نائية ـ اوستيكا ـ فونيانا ـ تراميتي ـ يونسا
المعتقلات : معتقل العقيلة ـ البريقة ـ المقرون ـ سلوق ـ تسوير المدن المحتلة وجعلها اشبه بسجن كبير له بوابات والخروج منه بتصريح (برميستو)
التهجير : مورس من قبل قراتسياني وبالذات ضد قبائل المنطقة الغربية بترحيل (اهل هون الى مصراتة والخمس عقب هزيمة الطليان في معركة قارة عام 1928 ـ تهجير قبيلة اولاد الحاج عام 1922 الى جناون ليفسح الطريق لقواته للوصول الى غريان ـ حاول تهجير قبائل الزنتان ليمهد الطريق للوصول الى فزان غير انهم دخلوا الرمل وقطعوا عليه الطريق من هناك الاعدامات العشوائية للرجال والبالغين.
احراق المعونة والمؤؤن البسيطة التي يملكها السكان بحجة دعم الفلاقة (المجاهدين).
التجهيل المتعمد لعموم السكان واعتماد الحملات العسكرية لاخضاع الناس وتطويعهم.
معركة علاق 1929 :
تعد معركة علاق هي اخر المعارك التي تواجه فيه المجاهدون مع الاستعمار الايطالي في المنطقة الغربية والتي كانت فيها ما تسمى الباندة وهي خليط من العسكرين الطليان والارتريين والمجندين من الليبيين حيث خرجت لتاديب قبائل الزنتان ومن معهم من الرجبان والقديرات وقنطرار والعواتة ومن معهم الذين فرضوا سيطرتهم الكاملة على طرق قوافل الصحراء الكبرى في منطقة الحمادة الحمراء ومن معهم من قبائل لم تلن للعدو طوال عشرين سنة.
استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار 1931 مسيحي :
اما في المنطقة الشرقية فلم يكن شيخ الشهداء عمر المختار رجلا عاديا في تاريخ المقاومة الليبية حيث بقى الشيخ الجليل يقود اخر عمليات المقاومة المسلحة في المنطقة الشرقية (الجبل الاخضر) التي تؤرق ايطاليا التي حاربته بكل قوتها قاطعة الامدادات عليه بالاسلاك الشائكة بين الصحراء الغربية والجبل الاخضر، حيث عملت على اغرائه وجذبه في الوقت الذي لم يضع فيه بندقيته جانبا وبقى حتى اخر لحظة من حياته مجاهدا رمزا حتى وهو على حبل الشنقة التي احيته واماتت جلاديه الذي يلعنهم التاريخ اليوم ويبجل عمر المختار ويثني عليه وهو وكل المجاهدين في جنة الخلد في الوقت الذي يلعن فيه الخونة (والمطلينين) الذي باؤ بالخسران المبين امام الله وامام التاريخ لقد كان استشهاده في 1931 المرحلة الاخيرة في سير معرك الجهاد بمعناها الحربي ودخول ليبيا مرحلة السيطرة الايطالية التي لم تكن تهتم الا بالحاميات واقامة الادارة الايطالية للمستوطنين الذين سيطروا على كل ما في البلاد حيث منع الليبيون حتى من المرور في بعض شوارع طرابلس الخاصة بالطليان الذي تركوا المرض يستشري في البلاد والفقر والفاقة، وبداء النهب المنظم ياخذ شكله المنظم للاثار الليبية التي اقيم لها سكك حديدية من المواقع الاثرية حتى المواني تحمل الاثار الى روما وتمت السيطرة بالكامل على كل الاراضي الزراعية الخصبة وتسلمها المستوطنون واصبح الليبيون يعملون بالسخرة في ارضهم حيث دخلت ايطاليا الحرب العالمية في اطار المحور الايطالي الالماني في مواجهة مع الحلفاء من الانجليز والفرنسيين والاميركان حتي نهاية تلك الحرب التي خسرتها ايطاليا ومكنت الانجليز من السيطرة على المنطقة الشرقة بعد معركة العلمين الشهيرة، واتجهت الادارة الاميريكة الى طرابلس والادارة الفرنسية الى فزان.
وتوالت الاحداث في اربعينيات القرن الماضي بالسيطرة الاستعمارية على ليبيا باستخدام الدول المنتصرة في تلك الحرب ليبيا كقاعدة عسكرية حيث اقيمت اكبر قاعدة اميريكية (هويلس) في طرابلس ومعها اربعة قواعد ملحقة للجيش الاميريكي واقيمت قاعدة عسكرية انجليزية في طبرق (قاعدة العدم) بالاظافة الى وجود المستوطنين الطليان.
لم يكن ما سبق تحديدا علميا دقيقا بقدر ما كان استعراض تاريخي عام غير مفصل بالمعنى العلمى من اجل الامانة بقدر ما كان عرضا لتقديم صورة عامة عن المقاومة الوطنية في ليبيا ضد الغزو الايطالي ـ التي لم تبحث عن شرعيتها من محتليها ولا من المتقاعسين والقاعدين عن الجهاد ـ بقصد ما كانت صورة تخدم التعريف بموضوع الاعتذار الايطالي، هذه المقاومة التي يعرفها العالم باسره ويدركها اهلنا المحيطين بنا واخوتنا من الذين شاركونا وشاركناهم معارك العزة والكرامة في ربوع بلادنا المترامية الاطراف من العراق العظيم الى الاعماق في افريقيا عموما، وفي شمالها في مصر وتونس والجزائر وصحرائها التي كانت الدرع الواقي والحصن المنيع والصدر الدافئ والملاذ الامن لنا ولتراثنا وحضارتنا التي تشكل فيها هذه الصحراء اكسجينها واكسير الحياة فيها والتي ندرك بوعي مدى ما يعمل عليه الاعداء والمتربصين من اجل خسراننا لها واستلابها من عمقنا الحضاري المجبول على الصحراء حليبا وتمرا وهواءا وشمسا ورمالا محاضرا وزوايا وكتاتيب ومنارات علم وواحات امان وملاذ حصين فسيح كريم بشضفه وصبره حنونا بنسيمه وخيمته ونياقه التي ترعاها سواعد نواجب على ظهور الخيول.
                                                    ثانيا: ثورة الفاتح واستكمال المهمة التاريخية للمقاومة الوطنية:
لم يكن قيام ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة صبيحة الفاتح من سبتمبر حدثا عاديا او عابرا في التاريخ الليبي العربي والافريقي للماضي اوالحاضر او المستقبل الامر الذي كان احد الدوافع الاساسية لقيام الثورة والاعداد والتخطيط لها منذ 1959 مسيحي والتي جاءت نتيجة شعبية لما عاناه الشعب الليبي من معاناة مع المستعمرين الذي ابادوه وذبحوه ونكلوا به وجاؤ فيما بعد بادارة تابعة تأتمر بامرهم في استقلال مزيف لم يكن الا عملا زين بالتبول الشهير للمندوب الهاييتي الذي اعطى النصاب التمويهي لما سمى بالاستقلال عام 1952 مسيحي، والذي لم يكن الا تورية ووضع صور اشبه بما يسمى عند العرب البيضان في الصحراء الكبرى بـ (البو) ليعطي ايحاء بصوررته ان البلاد استقلت وهي في الحقيقة لم تكن الا مرتعا للادارة الاميريكية في طرابلس ومرتعا للادارى البريطانية في برقة ومرتعا للادارة الفرنسية في فزان حيث كانت تجثم القواعد على صدور الليبيون ويحتل 30000 مستوطن كل الاراضي الزراعية التي يعمل الليبيون فيها خدما بالسخرة (للكونتيسة) التي كان يعمل تحت سلطتها اكثر من 20 الف ليبي خدما في ارضهم لذات العيون الزرقاء والوجه المجعد بتجاعيد روما.
ان ثورة الفاتح لم تكن عملا عاديا او عارضا في المنطقة فقد اختزل التخطيط لها معاناة شعب ذاقها اسريا شخص قائدها الذي كان جده اول الشهداء الليبيين الذين سقطوا واستشهدوا في ميدان الجهاد (الشهيد عبد السلام احميد ابومنيار القذافي) هذا القائد الذي عبر في اول كلمة للثورة بعد فعلها على الارض في بيانه الاول الذي جاء فيه : (.. تنفيذا لإرادتك الحرة وتحقيقا لأمانيك الغالية، واستجابة صادقة لندائك المتكرر الذي يطالب بالتغيير والتطهير، ويحث على العمل والمبادرة، ويحرض على الثورة والانقضاض، قامت قواتك المسلحة بالإطاحة بالنظام الرجعي المتخلف المتعفن الذي أزكمت رائحته النتنة الأنوف، واقشعرت من رؤية معالمه الأبدان، وبضربة واحدة من جيشك البطل تهاوت الأصنام وتحطمت الأوثان فانقشع في لحظة واحدة من لحظات القدر الرهيبة ظلام العصور، من حكم الأتراك إلى جور الطليان إلي عهد الرجعية والرشوة والوساطة والمحسوبية والخيانة والغدر، وهكذا منذ ألآن تعتبر ليبيا جمهورية حرة ذات سيادة تحت اسم(الجمهورية العربية الليبية)، صاعدة، بعون الله إلى العمل إلى العلا، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية. كافلة لأبنائها حق المساواة، فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف، لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم ولا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه _ إن شاء الله_ راية الرخاء والمساواة، فهاتوا أيديكم، وافتحوا قلوبكم، وانسوا أحقادكم وقفوا صفا واحدا ضد عدو الآمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا، وهكذا سنبني مجدا ونحيي تراثا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب. يامن شهدتم لعمر المختار جهادا مقدسا من أجل ليبيا والعروبة والإسلام، ويا من قاتلتم مع أحمد الشريف قتالا حقا، يا أبناء البادية، يا أبناء الصحراء يا أبناء المدن العريقة، ياأبناء الارياف الطاهرة، يا أبناء القرى، قرانا الجميلة الحبيبة، ها قد دقت ساعة العمل، فإلى الأمام....)

 
إلى الأمام والسلام عليكم ورحمة الله

هذا ولم يكن للثورة من وقت اخر تضيعه وتعطيه للمستعمرين والمستوطنين ولم يكن لها من بد في ان الثورة مضاعفة للجهد واختصار للزمن لتحقق مكاسبها للمواطنين الذين عانوا وكافحوا وجاهدوا وان لهم اليوم ان يتقدموا لبناء البلاد التي لن يكن لها من مستقبل دون تصفيه الاستعمار واثاره حيث بداء العمل الفعلي منذ الشهر الاول في مفاوضات مدفوعة بالتهديد الشعبي الكبير لاجلاء القواعد الاجنبية ولم يكن ذلك جلاء بل اجلاء بمعنى ارادة الفعل عنوة وبالقوة ورغم الفارق الماهول في الامكانيات والظروف الدولية المصاحبة الا ان الامر لم يكن ابدا قابلا للمفاوضة او المساومة وانما كان عملا لا بد له من التنفيذ العاجل بالاجلاء سريعا من الاراضي الليبية هذا وبداءت فورا محادثات الاجلاء للقواعد الاجنبية من على تراب ليبيا حيث امهلت كل القواعد مهلة زمنية من اجل الجلاء وتم التهديد مباشرة بانه سيتم توزيع السلاح على الليبيين اذاما تعثرت محادثات الوحدة التي كان يخوضها الاخ قائد الثورة مباشرة حيث تم اجلاء :
اكبر قاعدة اميريكية خارج اميركا وهي قاعدة هويلس التي سميت فيما بعد بأسم قاعدة معيتيقة وهو اسم طفلة كانت قتلت بسقوط احد طائرات القاعدة.
تم اجلا خمس قواعد عسكرية اخرى ملحقة بقاعدة هويلس.
اجلاء الانجليز في 1970 مارس 28 من قاعدة العدم بطبرق والتي تم تسميتها بقاعدة جمال عبد الناصر.
تم اجلاء بقايا الطليان المستوطنين 30000 مستوطن كانوا يستولون على كل الاراضي الزراعية الخصبة من مصراته الى صبراته يوم 7 اكتوبر 1970مسيحي، وهو نفس التاريخ الذي يصادف دخول الطليان الى ليبيا.
هذا وكان موضوع تصفية الاستعمار واثاره حاضرا بقوة وبشكل يومي في برنامج الثورة التي عمدت الى تكريم المجاهدين وابنائهم واسرهم واصبح موضوع الجهاد من الموضوعات الاساسية في التربية التي اعتمدت بناء مجتمع قوي متماسك يعتبر التاريخ مدرسة توحى لنا بافعال المستقبل التي يجب ان تصفي كل الظروف التي جعلت بلادنا هدفا للاستعمار ببناء القوة الذاتية وتكريم المجاهدين والجهاد وجعل قيمة الجهاد من الفخر الشخصي والاجتماعي بالانتماء للجهاد وحركة المقاومة التي لم تبحث عن شرعيتها من اقرار مستعمريها بل اكتسبت شرعيتها من حقها في الوجود وحقها الانساني في مقاومة المعتدين معلنة نشيدها الوطني :
(الله اكبر فوق كيد المعتدي..... والله للمضلوم خير مؤيدي)
(انا بالسلاح سافتدي بلدي....... ونور الحق في يدي)
هذا ويمكنا تلخيص مجموعة الاجراءات العملية اليومية الرسمية والشعبية التي اتبعت في بناء الانسان في طريق المقاومة الشعبية في الاتي :
على المستوى الداخلي :
إنشاء مركز دراسات ابحاث جهاد الليبيين ضد الغزو الايطالي.
انشئ هذا المركز من اجل توثيق حركة الجهاد والمقاومة الوطنية لتسجيل وجمع الروايات والالتقاء بالمجاهدين واحفادهم وحفظ الوثائق التاريخية والاهتمام باعادة الاعتبار للمواطن الليبي بكتابة تاريخه وتوثيقه وجعله منارة للاجيال حيث بدء المركز عملا عظيما في ذلك منذ بداية سبعينيات القرن الماضي باصدار مجموعة من الاصدارات الدورية وعلى راسها دورية (الشهيد) والتي تنشر دوريا اعمال وابحاث الباحثين حول المقاومة الوطنية وحركة الجهاد في ليبيا) وقيامه بالتوثيق العلمي كل الوثائق والروايات.
طرد الطليان المستوطنين للاراضي الليبية الزراعية ويقدر عددهم بـ (30.000 مستوطن)، حيث بدات محادثات الاجلاء عنوة منذ الشهر الاول للثورة وتم الاجلاء يوم 1970.10.7 وهو نفس التاريخ الذي يصادف الدخول الفعلي للايطاليين لليبيا، واجلي معهم من كان من الادارة الايطالية في ليبيا.
احياء معارك الجهاد سنويا معركة معركة في عموم ليبيا حيث تفرد لها احتفالات تخليدا لذكرى الشهداء تقام فيها مهرجانات الشعر وعروض الخيول والاهازيج الشعبية تحي ذكرى معارك الشرف والبطولة.
تحديد يوم 7 اكتوبر من كل عام يوما للثار.
اعتبار يوم 26 اكتوبر من كل سنة يوم حداد وطني على المنفيين الليبيين حيث توقف الاتصالات الدولية ويتوشح الناس بالسواد وتبث الاذاعات فقرات من القران الكريم وتركز في موضوعاتها على ذكرى المنافي والاستعمار وحرب الابادة،وتصدر الصحف اليومية باللونين الابيض والاسود وتركز في موضوعاتها على معارك الجهاد وحرب الابادة التي شنها الطليان على الليبيين، كما تتم بالمدارس والمعاهد والجامعات محاضرات وندوات وعرض الصور والوثائق وقوائم بالاسماء للمجاهدين والمنفيين من الليبيين.
حرص الاخ قائد الثورة على احياء كل المناسبات الخاصة بحركة الجهاد واشرافه المباشر عليها ومتابعة الابحاث الخاصة بها وتاكيد روح الثناء والفخر والمجد للجهاد والمجاهدين بتوسيم ومنح رتب عسكرية فخرية واوسمة وانواط لمن بقى على قيد الحياة من المجاهدين او لابنائهم من بعدهم ولأسرهم.
تاكيد الفخر الاسري والقبلي والاحتماعي بالجهاد والمشاركة فيه حتى اضحى الليبي مقترنا في فخره بالجهاد ضد الطليان مورثا مفهومه لابنائه من بعده للجهاد في سبيل الله من اجل الوطن ومحاربة الغزاة.
بناء النصب التذكارية لمعارك الجهاد على عموم التراب الليبي حيث تم اقامة نصب تذكاري لكل معركة ضد الطليان في ليبيا شبرا شبرا تشكل منارات توحي الى جيل الغد الفخر والعزة والثناء.
توثيق الموروث الشعبي من الشعر الشعبي والفصيح في مرحلة الجهاد والذي شكل الذاكرة الشفوية التي حفظت وسجلت ملاحم البطولة والفخر للمجاهدين والاحداث والمعارك بأدق تفاصيلها.
زيارة قبور ومعسكرات المنافي الايطالية لليبيين المنفيين وتوجيه رسائل الى الحكومات الايطالية المتعاقبة لتصفية اثار الاستعمار الايطالي لليبيا.
عقد الندوات الفكرية والمحاضرات حول الجهاد وتفاصيله اليومية.
ابراز المعارك البطولة باحيائها بمشاركة من رؤساء دول العالم المختلفة وابراز معناها في المواجهة المفروضة علينا والتي حتمت علينا مواجهة القوى الغاصبة بامكانياتها الماهولة وبامكانياتنا البسيطة وايماننا القوي.
مناقشة موضوع تصفية الاستعمار في كل دورة من دورات مؤتمر الشعب العام وتكليف امانته وامانة اللجنة الشعبية للاتصال الخارجي بالعمل على طرح الملف على المحافل الدولي والعلاقات الثنائية مع ايطاليا.
توثيق مرحلة الجهاد سينمائيا في شريط عمر المختار الذي قدم بعضا مما قامت به المقاومة الوطنية وما عاناه اهلنا.
على المستوى الخارجي :
منذ اليوم الاول للثورة اصبح موضوع تصفية الاستعمار وتبعاته من اول الموضوعات السياسية للسياسة الخارجية الليبية حيث شكل طرد واجلاء القواعد والمستوطنين الذين كانوا جاثمين على صدور الليبين انطلاقة جديدة للسياسة الدولية التي كان لثورة الفاتح وما يزال الدور الكبير في تغيير عمليات التعاون والعلاقات الثنائية التي اصبحت رهينة بموضوع تصفية تبعات الاستعمار من قواعد ومستوطنين والغام وتبعات معنوية واقتصادية، حيث حول موضوع تصفية الاستعمار الى موضوع رئيس في المحافل الدولية ومنظمة الامم المتحدة ومنظمة دول عدم الانحياز انذاك والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية انذاك ايضا واصبح موضوع العلاقة باوروبا محكوما بهذا الملف المتصدر لعمليات السياسة الخارجية الليبية التي لم تلن ولم تهداء سياسة ثورتها في الاخذ بالثار من مستعمري شعبنا، وبقت العلاقة بايطاليا القريبة من ليبيا عبر المتوسط محكومة بتصفية هذا الملف في كل لقاءات مع كل الحكومات الايطالية المتوالية على الحكم، بما يكفل حقوق الليبيين الذين تم نفيهم وقتلهم او مصادرة املاكهم.
الاعلان الليبي الايطالي المشترك :
تتويجا للعمل المتواصل والحثيث الذي سطره الاخ قائد الثورة في استراتيجية سياسية تقوم على الثار من الغاصبين والمحتلين وقعت ليبيا وايطاليا في 4 يوليو 1998 على الاعلان المشترك الليبي الايطالي الذي عبرت فيه ايطاليا عن اسفها للالام التي لحقت بالشعب الليبي من جراء الاحتلال الايطالي لليبيا واعترافها بحق الشعب الليبي افي ازالة ما يمكن ازالته من اثار العدوان حيث شكل هذا الاعلان الارضية الاساسية للاعتذار الايطالي للشعب الليبي والذي عبرت فيه ايطاليا على اسفها للالام التي لحقت بالشعب الليبي من جراء الاستعمار الايطالي متعهدة بازالة اثار ذلك الاستعمار سعيا لدخول عهد جديد من العلاقات الودية والبناءة بين الشعبين الليبي والايطالي كما اعلنت ايطاليا التزامها بالبحث بشتى الوسائل عن المواطنين الليبيين الذين اقتلعهم الاستعمارالايطالي من ارضهم وقام بنفيهم وابعادهم عنوة عن وطنهم وذويهم الى جزر الجنوب الايطالي، وكذلك التزامها بتقديم التعويضات للمواطنين الليبيين عن الاضرار الناجمة عن مخلفات الالغام التي زرعها المتحاربون على الارض الليبية بان الحرب العالمية الثانية وكافة التعويضات عن الفترة الاستعمارية هذا وقد جددت فيما بعد الحكومة الايطالية الحالية تاكيد جدية التزامها بتنفيذ ما لم ينفذ من بنود هذا الاعلان في اتصال هاتفي اجراه رومانو برودي يوم 4 اكتوبر التمور 2006 ف مع الاخ قائد الثورة حيث اعرب عن حرص ايطاليا على طي صفحة الماضي لدعم وتعزيز العلاقات بين الشعبين الصديقين انطلاقا من الاولوية التي تضع فيها الحكومة الايطالية العلاقة بين البلدين.

 
هذا ولم يهنى للشعب الليبي وقيادته البال دون الحصول على اعتذار صريح وواضح وعلني مصادق عليه من البرلمان الايطالي لطي صفحة الماضي

                                                                   ثالثا : الاعتذار الايطالي :
لم يكن الاعتذار الايطالي للشعب الليبي محظ صدفة او استيقاظ ضمير فقط انه ثمرة جهود كبيرة متواصلة لم تلن ولم تتراجع في حقها المشروع في القصاص من المحتل الذي لم يهنا طوال فترة احتلاله لليبيا ولا فترة استيطانه لها ولم يهنا ايضا بعد اجلائه عنوة عنها بل عاش مطاردا بلعنة الاستعمار مجابها طول اربعين سنة بطلب الاعتذار والتكفير عن جرائمه التي لم ينساها الليبيون ابدا بل كانت زادهم اليومي والاجتماعي القبلي ومصدر فخرهم وتربية اابنائهم يوما بعد يوم في حياة لم تنسى ماسيها التي مرت بها ولم تنم على ثاراتها بل بقى الشعب الليبي بقيادته الحكيمة الواثقة مواجها لايطاليا في كل مراحل حكوماتها المتعددة مجابها لها بماضيها الاستعماري وضرورة التكفير عن ذلك عضة وموعضة حيث لم يخلو لقاء ليبي ايطالي على الاطلاق منذ قيام الثورة من اشارة واضحة وصريحة بضرورة تصفية متعلقات الاستعمار من الكشف عن مصير واسماء واماكن تواجد ومقابر المنفيين الليبيين ومن المطالبة بالخرائط التي توضح الالغام التي عانى منها الشعب الليبي، والمطالبة بالتعويض العادل والاعتذار العلني حيث بقت هذه المطالب على راس اي لقاء سياسي ليبي حيث سجل التقدم الكبير في العلاقات الليبية الايطالية بتوقيع البيان الليبي الايطالي المشار اليه سابقا.
هذا في احتفال بهيج يليق بالحدث تم في مدينة بنغازي وبحضور ابناء واحفاد المجاهدين وعلى راسهم محمد عمر المختار ابن الشيخ المجاهدوحيث قدم رئيس الوزراء الايطالي الاعتذار الصريح والعلني والاسف للشعب الليبي لما لحق به من ويلات ودمار في مبنى كان يشغله الحاكم الايطالي ابان فترة الاحتلال، حيث قال..:
«إنه من واجبي كرئيس للحكومة الإيطالية، أن أعبر لكم باسمي وباسم الشعب الإيطالي عن أسفنا واعتذارنا عن الجراح الغائرة التي سببها الاستعمار الإيطالي للشعب الليبي». وأضاف برلسكوني قائلا: «انه اعتراف كامل ومعنوي بالضرر الذي ألحقته إيطاليا بليبيا».
هذا ورد الاخ قائد الثورة الذي كان جده اول شهيد في كلمة القاها بقوله :
(إنها ساعة تاريخية حقا يوقع فيها الرجال الشجعان تعهدا بهزيمة الإستعمار وعدم تكراره ضد الشعوب الآمنه في ديارها، ويعلنون بصوت جهوري وواضح ليسمعه العالم كله أن الإستعمار مدان، وأن إحتلال أرض الغير مرفوض، وأن الظلم مدان، وأن المظلوم هو صاحب الحق، وأن الشعوب لا تكره بعضها، وأن للظلم ثمن يدفعه الظالم للمظلوم، وأن الإستعمار مشروع فاشل.
نعلن في هذه الساعة التاريخية بكل شجاعة أن الشعب الليبي ظلم وتم التعدى عليه في عقر داره، وأنه يستحق الإعتذار والتعويض.
وأن الشعب الإيطالي شعب عظيم والأمة الإيطالية أمة عظيمة، وأن الشعب الأيطالي هو أيضا ظلم وخسر من طرف حكامه المستعمرين الذين حكموه من بداية القرن العشرين وحتى قرابة منتصفه وأجبروا أبناءه على الموت فوق أرض ليست لهم، وماتوا من أجل أحتلالها وليس من أجل تحريرها في شمال إفريقيا وفي القرن الإفريقي.
خسر الشعب الإيطالي الأرواح البريئة، والدماء الزكية، والأموال الثرية والزمن الثمين من أجل رغبات إستعمارية، ومن أجل أمجاد لحكامه في ذلك الوقت وليست له.. أمجاد بنيت على الوهم والظلم.
ولقد أظهر أولئك الحكام المستعمرون والحكام الفاسيون، كل الإستخفاف بالشعب الإيطالي العظيم، وإستغلوا ضعف الشعوب المسكينة التعسة، وبنوا فوق جثت أبناء الشعب الإيطالي والشعب الليبي والشعب الأريتري والأثيوبي والصومالي والجيبوتي، إمبراطوريتهم الزائلة.
واليوم قبل أن نهنئ الشعب الليبي على هذا النصر، نهنئ الشعب الإيطالي الذي إنتصر على الفاسية وتبرأ من كل مافعلته ضد الشعوب الصديقة، وقرر بكل شجاعة محو تلك الآثار المكروهة.. ليس محوها عن الشعب الليبي فقط، بل قبل هذا محوها عن جبين الأمة الايطالية العظيمة.
في هذه الوثيقة التاريخية، يعتذر لكم ويأسف صديقكم الشعب الإيطالي العظيم عما فعلته إيطاليا الملكية وإيطاليا الفاشية ضدكم من إحتلال وتدمير وقتل وتشريد، ويتبرع بتعويضكم ولو أن لاشيء يمكن أن يعوض الشعب الليبي عن ما تعرض له.
أقول يتبرع لأن إيطاليا اليوم ليست إيطاليا الأمس، وأن وزر تلك المرحلة الشنيعة تتحمله إيطاليا الملكية والفاسية، أما ايطاليا الحرة اليوم.. الصديقة والجارة، تتبرأ وتدين الإستعمار.
وأكرر أن أي شيء لايعوض ما تعرض له الشعب الليبي المظلوم الآمن في دياره، ولكن تعهد إيطاليا اليوم في هذه المعاهدة هو فقط دليل وبرهان تاريخي على تبرئة إيطاليا الحرة مما فعله ظالموها وظالمو الشعب الليبي في تلك الحقبة، وأنه عربون صداقة تاريخية ومودة وحسن جوار وتعاون وتبرئة لإيطاليا اليوم من إيطاليا الأمس.
هذه التبرئة وتقديم هذا العربون، لايقدر على فعله اليوم إلا المخلصون لإيطاليا وتاريخها العظيم من الرجال الشجعان القادرين على صنع التاريخ من أمثال صديقي "برلسكوني" وأعضاء حكومته وممثلي الشعب الإيطالي، وأولئك الشجعان أيضا الذين وقعوا والذين أصدروا الإعلان المشترك يوم 2/7/98 أمثال "برودي" و"ديني" و"داليما ".
نحن الذين درسنا التاريخ، كنا نتوقع أن إيطاليا نظراً لتاريخها ومجدها التليد، سوف تمحو هذه الصفحة المشينة من التاريخ، وكنا دائما نتوقع أن إيطاليا سوف تمحو من على جبينها ما فعله حكامها من عام 1911 وحتى الحرب العالمية الثانية بالنسبة لليبيا.
وبالتوقيع على هذه المعاهدة ندشن عهداً جديداً يطوي صفحة الماضي البغيض، ويفتح باب مستقبل من الصداقة والتعاون بل والشراكة، مما يشكل جسراً إستراتيجياً عبر بحر من أهم بحار العالم ألا وهو البحر المتوسط.. جسر تعبر عليه البضائع والخدمات والسواح والطلاب وأنابيب النفط والغاز وربما المياه في المستقبل.
وبتنفيذ مواد هذه المعاهدة إذا حرصنا على تنفيذها بإخلاص، يكون الرجال العظام قد أنجزوا فعلا عملا عظيما وحوّلوا البحر المتوسط إلى بحيرة سلام.
إنه حقاً سلام الشجعان.
نهنئ أنفسنا ونصلي لله من أجل ليبيا وإيطاليا، ونقر أن المشروع الإستعماري العالمي هو مشروع فاشل وخاسر، وأن ضحاياه الشعوب الآمنة، والكاسبون في أوله خاسرون في آخره، أنظروا إلى نهاية هتلر وموسيليني ونابليون.
نحن اليوم معاً ضد الإستعمار.. ضد قهر الشعوب.. ضد إحتلال أراضي الغير.. ضد الإرهاب.. ضد زرع الألغام.. ضد قتل الأطفال والنساء.
المجد لمحرري الشعوب وموحديها أمثال "غاريبالدي" و"مادزيني" و"كافور".
والخلود لآلاف الشهداء أبناء الشعب الليبي العظيم من أول شهيد سقط في أول معركة عام 1911 وهو "عبد السلام حميد أبومنيار القذافي" وآخر شهيد في آخر معركة عام 31 بطل المقاومة وأسد الغابة وشيخ الشهداء "عمر المختار".
(والتقدير والتمجيد للرجال الشجعان أمثال "برلسكوني".).
هذا وسلمت ايطاليا لليبيا رسمياً لتمثال حورية شحات للشعب الليبي الذي أعادته، إقرارا منها بتأكيد الأخ القائد منذ سبعينيات القرن الماضي حق كل الشعوب في إستعادة ممتلكاتها الثقافية التي نهبها الإستعمار، وتنفيذا لما نص عليه الإعلان الإيطالي الليبي عام 1998 مسيحي بشأن إلتزام إيطاليا بأن تعيد لليبيا كل الممتلكات الثقافية الليبية التي نهبها الإستعمارالإيطالي، هذا وقد ترافق مع الاعتذار الإيطالي هذا توقيع الاخ قائد الثورة العقيد معمر القذافي ورئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني «اتفاقية تعاون وشراكة وصداقة» في مدينة بنغازي شرق العاصمة طرابلس، تقدم روما بموجبها خمسة مليارات دولار تعويضا عن الحقبة الاستعمارية، وقال برلسكوني للصحافيين بعد وصوله إلى بنغازي إن «الاتفاق يشمل استثمارات بمبلغ 200 مليون دولار سنويا لمدة 25 عاما»، وأوضح أن من ابرز المشاريع، شق طريق ساحلية من غرب ليبيا إلى شرقها
رابعا : الدلالات السياسية وامكانية الاستفادة من الجهد الليبي واصداء الاعتذار :
يشكل حدث الاعتذار الايطالي للشعب الليبي حدثا تاريخا في حياة الشعوب ونقطة فاصل وبداية كبيرة منحها الجهد الليبي للشعوب المستعمرة في بادرة اولى لتحقيق الاعتذار للشعوب التي احتلت والتي من واجب المستعمرين تقديم الاعتذار والتعويض المعنوي لانه لا يوجد تعويض عادل من الناحية المادية لمرحلة عذاب الاجيال من جراء الاستعمار، بل هو اعتذار وتعويض معنوي يشكل دلالاة كبيرة في مسيرة البشرية وتاريخها حيث يمكنا ان نرصد صدي الاعتذار الايطالي لليبيين فيما صدر من ردود افعال في الارجاء الاربعة حيث نلاحظ هبة مناصرو العدوان ومنظري الاستعمار ينتفضون من خلال تصريح مدير معهد ميدل ايست ومستشار الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض في شؤون الإسلام دانييل بيبس في قبول ايطاليا لمطالب العقيد القذافي خطأً كبيرا وسابقة خطيرة.
وقال الخبير الأميركي في شؤون الإسلام إنه "أضعاف للناتو من جهة، لأنه سيعمل على فصل أوروبا عن حلف شمال الأطلسي، وكما يفعل بوتين عند حض البلدان الأوروبية التي تعتمد على النفط والغاز الروسيين على الابتعاد عن أميركا، هكذا يحاول القذافي دفع ايطاليا للوقوف إلى جانبه في حال وقوع صدام جديد مع أميركا"، وتابع القول "من جهة أخرى، إنه إقرار بمبدأ وجوب إصلاح أوروبا ماديا لما خلفه ماضيها الاستعماري، ومجازفة بفتح قضية قد تودي بحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي" وفق تعبيره.
وأضاف مستشار الكونغرس والبيت الأبيض "يدهشني أن يُقدِم قائد محافظ مثل برلسكوني على خطوة كهذه، فهو لم يوقع معاهدة تجارية وحسب، بل وسياسية أيضا"، وأردف "لقد تسلم القذافي تعويضات عن أخطاء ارتكبها موسوليني، وقد يفتح بابا لمواقف مماثلة (فرنسا والجزائر). على أوروبا الحذر من هذا الموقف فإن التعويض يسقط بعد مرور فترة زمنية طويلة كهذه" على حد تعبيره.
هذا وكانت الاشادة للخطوة الباهرة واضحة في الايام والاسابيع التالية للاعتذار الايطالي حيث عبرت صحيفة لوس انجلوس تايمز بقولها ان المعاهدة مع إيطاليا تعتبر نجاحا آخر للقائد معمر القذافي وقالت مجلة تايم الأمريكية (إن ايطاليا وفي عملية ندم غير مسبوقة من قبل قوة استعمارية أوروبية سابقة، اعتذرت رسميا عن إستعمارها لليبيا في مطلع القرن الماضي، ووافقت على دفع تعويضات إلى ليبيا). وأضافت الـ (تايم) الأمريكية أن هذا الإعتذار يرسي سابقة جديدة، وأن المستعمرات السابقة للقوى الأوروبية الأخرى لها أسبابها الآن لدراسة هذه السابقة التي أرستها ليبيا. وأشارت المجلة الأمريكية إلى أصداء هذا الإنتصار الليبي في الجزائر من خلال الحملة الصحفية التي تطالب فرنسا بأن تقدم للشعب الجزائري إعتذارا مماثلا للإعتذار الإيطالي للشعب الليبي.
كما أشارت الـ (تايم) الأمريكية إلى أصداء هذا الإنتصار الليبي في الكونغو حيث بدأت حملة مماثلة لمطالبة بلجيكا بالإعتذار للشعب الكونغوي وتعويضه،وقالت المجلة الأمريكية إن صحيفة (لي بوتنشيال) في الكونغو بعثت هي الأخرى برسالة مشابهة إلى الحكومة البلجيكية للمطالبة بالإعتذار والتعويض عن الاستعمار البلجيكي للكونغو، وكتبت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) الأمريكية تقريرا بعنوان ليبيا جعلت الإيطاليين يدفعون (5) مليار دولار عن ماضيهم الاستعماري، وقالت (لوس أنجلوس تايمز) في تقريرها إن المعاهدة مع ايطاليا تعتبر نجاحا آخر للقائد معمر القذافي الذي نجح من قبل في إعطاء بلاده مكانة دولية، كما نشرت صحيفة (بلتيمور صن) الأمريكية تقريرا مماثلا قالت فيه إن ايطاليا وافقت على دفع تعويضات إلى ليبيا عن حقبة الاستعمار الإيطالي، وفي بريطانيا علقت صحيفة (ريلجس انتليجنس) على هذا الإنتصار قائلة (لقد وقع حدث تاريخي نادر في ليبيا البلد الشمال إفريقي في نهاية الأسبوع الماضي عندما قامت الدولة الاستعمارية السابقة ايطاليا بتعويض ليبيا عن فترة الاستعمارالإيطالي.)، ونقلت الصحيفة البريطانية فقرات مطولة من حديث الأخ قائد الثورة أمام فاعليات الشعب الليبي بالعيد التاسع والثلاثين لثورة الفاتح العظيم وإطلالة عامها الأربعين.
وفي كندا أبرزت صحيفة كرونيكل الكندية خبر اعتذار ايطاليا الرسمي للشعب الليبي وتوقيع معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين البلدين.
ونقلت عن رئيس الوزراء الإيطالي قوله : إنه إعتراف معنوي ومادي بمآسي الحقبة الاستعمارية التي ارتكبتها بلادنا في حق بلادكم وقوله أيضا إن هذه المعاهدة تفتح الطريق لتعزيز علاقات الصداقة بين البلدين، ومن جانبها أبرزت صحيفة غلوب أند ميل الكندية الواسعة الإنتشار مرحلة الصراع الطويلة التي خاضتها ليبيا من أجل الحصول على حق الشعب الليبي في الإعتذار والتعويض الإيطالي، وقالت الصحيفة الكندية (إن المفاوضات إستغرقت عدة سنوات تمكن بعدها الجانبان من التوصل إلى التعويض عن فترة إستعمار ايطاليا لليبيا)، وفي كرواتيا نشرت صحيفة (يافنو) الكرواتية تقريرا مطولا عن إعتراف ايطاليا واعتذارها للشعب الليبي عن ماضيها الاستعماري، ونقلت الصحيفة الكرواتية تأكيد الاخ القائد أن ايطاليا تعتذر في الوثيقة التاريخية عن قتلها وتدميرها وظلمها للشعب الليبي خلال المرحلة الاستعمارية، وأن المعاهدة تفتح الباب للتعاون المستقبلي والشراكة بين ايطاليا وليبيا، كما نقلت الصحيفة نص إعتذار رئيس الوزراء الإيطالي بإسم الشعب الإيطالي للشعب الليبي عن حقبة الاستعمار الإيطالي، وتأكيده الإعتراف الكامل والأخلاقي بالأضرار التي أحدثتها ايطاليا لليبيا خلال الفترة الاستعمارية، وأشارت الصحيفة الكرواتية إلى التعويض المادي الذي ستدفعه ايطاليا للشعب الليبي، وإلى قيامها بترجيع تمثال (حورية شحات) الذي نقله الاستعمار الإيطالي من ليبيا إلى ايطاليا، وفي أستراليا نشرت صحيفة (سدني مورننغ هيرالد) الأسترالية في تقرير بعنوان ايطاليا وليبيا مستعدتان لطي صفحة عهد الاستعمار قدمت فقرات من المعاهدة الليبية الإيطالية، وفي جنوب إفريقيا أبرزت صحيفة (ميل أند غارديان) الجنوب إفريقية إنتصار الشعب الليبي في تقرير حمل عنوان (ايطاليا وليبيا تطويان صفحة الماضي الاستعماري)، إستعرضت فيه بنود المعاهدة، وفي كينيا نشرت صحيفة (ديلي نيشن) الكينية فقرات من حديث الأخ القائد حول المعاهدة وتوضيحه لمكاسب ليبيا المعنوية والمادية السياسية والإقتصادية من هذه المعاهدة، وأن ايطاليا بعد تصديق البرلمان الإيطالي والمؤتمرات الشعبية الليبية على هذه المعاهدة، ستكون لها الأولوية في النفط والغاز والإستثمارات الأخرى كدولة صديقة، اما مؤسسة القرن القادم فقد عبرت بأن اعتذار ايطاليا أمر جديد ومفاجأة بالنسبة لنا واكدتصحيفة أخبار المسلمين التي تصدر في بريطانيا إن اعتذار إيطاليا الرسمي والعلني لا يقاس بثمن وهو أهم من الأموال بالنسبة للشعب الليبي هذا وقال الأمين العام للمنظمة الوطنية الجزائرية للمجاهدين السعيد عبادو، إن اعتذار إيطاليا على فترة استعمارها لليبيا هي الخطوة الصحيحة المنتظرة من فرنسا تجاه الجزائر. وكان رئيس وزراء اما صحيفة الشروق الجزائرية فقالت انه انتصار جديد حققه الشعب الليبي على الاستعمار الإيطالي حين حصل من السيادة الإيطالية على الاعتذار الرسمي والصريح وعلى التعويض المادي والمعنوي أمام العالم وأضواء الفضائيات، ورأس ليبيا مرفوع وأنف الاستعمار في أرغام، وقالت صحيفة (صوت الأحرارالجزائرية إن (موقف فنزويلا من قضية إعتذار الدول الاستعمارية جاء بعد أن إستطاعت ليبيا في الأيام القليلة الماضية إفتكاك إعتراف إيطالي بجرائم الحقبة الإستعمارية الإيطالية، وتعويضات تقدر قيمتها بـ5 مليارات دولار،هذا طالب الرئيس الفنزويلي (هوغو شافيز) الحائز على جائزة القذافي لحقوق الإنسان، القوى الإستعمارية القديمة التي إستعمرت إفريقيا وأمريكا الجنوبية بوجوب تقديم إعتذارات لهاتين القارتين عن إرتكابها " أكبرعملية إبادة عبرالتاريخ " في القارتين
وكان المحللون السياسيون بما فيهم الغربيون أنفسهم، أن الإنتصار الليبي بتقديم إيطاليا إعتذارها للشعب الليبي وتعويضه عن حقبة الإستعمار الإيطالي، قد أسس لقاعدة جديدة في العلاقات الدولية والقانون الدولي تجعل كل الشعوب التي كانت مستعمرة، تحذو حذو الشعب الليبي للظفر بإعتذار وتعويض الدول التي كانت تستعمرها.

 
ومن جانبها عبرت الصحف الايطالية عن أملها في أن يترجم التزام روما بدفع هذا المبلغ لطرابلس حيث وكتبت صحيفة "لا ستامبا" أنه "بفضل هذا الاتفاق سيخفض عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى سواحلنا وسنحصل على كميات أكبر من الغاز والنفط من نوعية عالية"، أما صحيفة "إيل كورييريه ديلا سيرا" فقالت إن "نهاية التوتر مع بلد على الضفة الأخرى من المتوسط تدعو للأمل بوضع حد للهجرة غير المشروعة عن طريق البحر"، مذكرة بأنه منذ 1970 تشهد العلاقات بين الزعيم الليبي وإيطاليا مراوحة بين "التهديدات والاتفاقات"، وذكرت "إل ميساجيرو" أن الاعتذارات التي قدمها برلوسكوني عن "الجراح الغائرة التي سببها الاستعمار الإيطالي للشعب الليبي" يمكنها أن تضع حدا "لأعمال عنف وحروب وقمع وتعهدات لم تحترم دامت قرنا" على حد قولها، ونقلت صحيفة "لا ريبوبليكا" اليسارية عن أنجيلو ديل بوكا المؤرخ المتخصص في فترة الاستعمار الإيطالي قوله إنه "مسرور للاتفاق... حتى وإن كان المال لا يحيي الموتى".

هذا وقد صنع الإنتصار الليبي غير المسبوق، حملة ضغط علنية واسعة في الأوساط الإعلامية والشعبية العربية خاصة في الجزائر والمغرب ومصر وتونس والسودان والأردن والعراق وموريتانيا والكونغو من أجل المطالبة بحصول الشعوب في هذه البلدان على إعتذارات وتعويضات من بريطانيا وفرنسا عن حقبة إستعمارهما لهذه الشعوب وإرجاع الممتلكات الثقافية التي تم نهبها في تلك الحقب، اما الصحف العربية عموما والتي لم افرد تفصيلا لها كانت جميعها تثمن الجهد الليبي حيث خصت الصحف المصرية والموريتانية والمغربية واغلب الصحف العربية والافريقية مساحات واسعة مقالات حول هذا الاعتذار التاريخي الذي يشكل مفخرة لكل الشعوب التي استعمرت.
ان معيار الدلالة السياسية لهذا الحدث التاريخي المهم لشعوب الجنوب ياتي في اطار تكريم المقاومة الوطنية فهو يفتح الباب عمليا لامكانية ان تعتذر الدول المستعمرة لشعوب استعمرت ونهبت خيراتها والدلالة الاهم هي دلالة للمستقبل الذي يؤسس على العمل المشترك واضعا نصب عينيه مبداء انه ليس هناك من زمن للاستعمار حتى يقال انه مضى وولى وانما هناك ظروف واشتراطات ان توفرت سيعود الاستعمار من جديد وقد كنا راينا نموذج احتلال العراق، وايضا نقول ان المقاومة الوطنية والجهاد لهما شروط ان توفرت فسنعود للكفاح والجهاد والمقاومة الوطنية الحق الغريزي الذي يمنحه وجود الانسان لنفسه ولا يمنحه غازي حتى يصنف المقاومة بانها شرعية او غير شرعية.
ان المفردة الاساسية في الدلالة السياسية هي انه ان للشعوب التي استعمرت ان تخطو الخطوة الليبية الكبيرة والتي لم تكن عملا عرضيا بل هي عمل متواصل بداء بالجهاد والمقاومة العسكرية وحتى الجهاد والمعركة السياسية بالالحاح والعزيمة والاصرار الذي لم يلن ولم ينم على ثاره وها هي شعوب الارض ومحرريها في العالم يشيدون بهذه الخطوة التي كانت بلسما لجراح الليبيين وكان التعويض عملا معنويا مهما للمستقبل وتكريم الماضي والإشادة به.
ان مبداء المقاومة الوطنية مبداء انسانية لا يستجدي الاعتراف به من القوى الغازية ولا من الجلادين ولا من المتقاعسين والقاعدين عن الجهاد انه مبداء انساني صرف وديني ووطني يفرضه الحق في الحياة فوق الارض وتحت الشمس والذي به سار المجاهدون قوافل في سبيل تحرير الاوطان تحت مبداء نقاتل ونجاهد وسياتي جيل اخر يحتفل بالنصر وهو ما احتفلنا في الجماهيرية به وكرمناه وعشنا اوفيا له في حلنا وترحالنا نربي ابنائنا عليه صباح مساء بفعل ثورتنا وقائدها في ملحمة استكمال الجهاد كمنارة للشعوب العربية والافريقية وشعوب العالم قاطبة، والتي تاخذ طريقها اليوم بتصفية الاستعمار المتربص وبناء القوة التي تمنع تكرار ما حدث.

 
التحية كل التحية للمقاومة الفلسطينية البطلة في غزة وللمقاومة العراقية الباسلة وللمقاومة اللبنانية الشريفة ولكل المقاومين في العالم ضد الغزو والاحتلال والنهب والقتل والابادة الجماعية والخزي والعار للمتقاعسين القاعدين المبررين للاحتلال والمتمسحين باحذيته النتنة ولا نامت اعين الجبناء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المصادر والمراجع
الشهيد (نشرة دورية يصدرها مركز دراسات جهاد الليبيين) العدد السادس.
"""  ""   ""   """" العدد الرابع.
""""  """   """    العدد العاشر
""    ""    "" العدد الحادي عشر.
بعد القرضابية دراسات في تاريخ الاستعمار الايطالي. خليفة محمد التليسي.
السجل القومي (83 ـ 84 19).
موقع مركز دراسة جهاد الليبيين على الشبكة الدولية.