صفحة الأرشيف

 

اللغة العربية : من المؤامرة الدائمة إلى الشرعية الدستورية

تعتبر مسألة اللغات إشكالية واكبت موريتانيا منذ نشأتها كدولة عصرية، فغداة الاستقلال الممنوح تمكنت السلطات الجديدة – التي ترعرعت في حضن المستعمر القديم- من وضع المهاميز الأولى للدولة الوليدة بمساعدة من ذات المستعمر. إن فرنسا- التي شرعت إذن في التنكب بعدما واكبت حركة الانتقال في المجالات الأساسية- قد احتفظت بالمقابل، إن صح التعبير، بوضع يدها على قطاعين حيويين واستراتجيين هما الاقتصاد والثقافة، أو كما يقول الفلاسفة الجسم والروح؛ ذلك الاقتصاد المركز أساسا يومئذ في منجم الحديد بكدية "الجلد" في أزويرات، الذي تؤمن استغلاله شركة مناجم الحديد الموريتانية (ميفارما) وكذلك السمك الذي كان احتكارا خاصا بالشركة الصناعية للصيد الكبير (سيغب) الموجودة في انواذيبو من بداية القرن. إن هاتين الشركتين تعود ملكيتهما إلى الرساميل الخصوصية الفرنسية بطبيعة الحال، باستثناء مساهمة موريتانية، بحدود 5% من رأسمال المتعلق بشركة ميفارما.
تجدر الإشارة إلى أن ميفارما سيجرى لاحقا تأميمها كليا؛ أما الثقافة فتتمثل في الالتزام لفرنسا –التي ظلت دائما سيدة اللعبة- بتأبيد لغتها وحضورها الدائم في هذا الصقع النائي، في ما جرى التباهي بجهل  اللغة العربية  عقابا لها على الدور الحاسم الذي لعبته في مقاومة الغازي، بوصفها ملاذا للثقافة الوطنية، وقلعة حصينة في المعركة ضد المحتل؛ بينما شكلت لغة هذا المحتل على الفور موضوع رفض صريح وكثيف من قبل المواطنين.
فقد صدرت فتاوي تحرم دون لبس إرتياد مدارس النصارى، وكذلك تحريم أي شكل من أشكال محاكاة عاداتهم؛ وهي الفتاوي التي تم الامتثال لها على نطاق واسع، باستثناء أبناء الأعيان والمتعاونين مع المحتل، الذين جرى تجميعهم فيما يطلق عليه يوم ذاك مدارس أبناء الشيوخ.
وفي رأيي أن رغبة فرنسا في فرض لغتها وثقافتها، رغم العقبات، على الشعوب المحتلة ترجع إلى سببين : السب الأول استراتيجي، والسبب الثاني: خاص بموريتانيا، وهو ذو صبغة تكتيكية.
إن السبب الاستراتيجي يجب البحث عنه في الفلسفة الفرنسية للاحتلال؛ فبخلاف الاستعمار الإنجليزي، مثلا، الذي يعطي الأولوية، في اهتمامه، إلى استغلال الثروات الطبيعة للمستعمرات للانتفاع بها، فإن الاستعمار الفرنسي يمتاز بتجذير ثقافته على حطام الثقافات المحلية، إذا لزم الأمر؛ وهو أمر لا ينقص مطلقا، بكل تأكيد، من شهيته لهذه الثروات التي كانت هي السبب أصلا في قدومه.. أما السبب التكتيكي فيتمثل في الاحتفاظ بموريتانيا داخل عزلة صارمة بالنسبة للعالم الذي تربطها معه أقوى الأواصر، ألا وهو العالم العربي.. ولفعل ذلك، اعتقدت الدولة المستعمرة، - مدعومة في هذا من قبل السلطة الجديدة التي نصبتها لتوها- أنها وجدت حلا، يتمثل في منع هذه البلاد أبديا من الخروج عن عباءة إفريقيا الغربية الفرنسية، التي لم يكن استقلالها عن فرنسا إلا مجرد طلاء على الواجهة، يبقى أن تستدرك في سياق الأفكار أن إفريقيا الغربية الفرنسية باشرت أيضا في تحطيم الرموز.
 وفي سنة 1911، صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية على قانون يحول اسم شنقيط- الذي عرفت به البلاد في كل مكان – إلى التسمية ب (موريتانيا).
لقد كانت تلك هي الخطوة الأولى على طريق طمس الهوية، ونزع الطابع العربي عن البلاد. إن الاسم الأسطوري لشنقيط يثير، بحق، في مخيال هؤلاء العرب- سواء من المشرق أو من المغرب (الفرنسي) يومئذ، والذي كان العمل يجري لإبعاد موريتانيا عنه – فيضا ثقافيا وحضارة بدوية تالدة ومتألقة بفضل فطاحل علمائها، ومشاهير شعرائها، ومحاظرها الأسطورية، التي شكلت بحق جامعات متنقلة.
إن هذا الاسم، إذن، المثير جدا والمشبع بشحنة رمزية كبيرة، ويحتمل مكنونا تخريبيا ينبغي شطبه نهائيا من الذاكرة الجمعية.. عندها تم الوقوع على تسمية "موريتانيا"؛ وهي التسمية الأكثر "براءة"، وليست مثيرة، من بعيد، مع أنها في ذات الوقت، تحيل إلى البيض؛ هؤلاء "الموروس" الفاتحون لإسبانيا، الذين ينسب إليهم يوسف بن تاشفين، وقومه المرابطون.
إن اسم موريتانيا هذا (مع تحريف بسيط متمثل في الحرف الخامس من الأبجدية الفرنسية بدلا من الحرف التاسع) قد أطلقه الرومان على بلدان إفريقيا الشمالية المحاذية للبحر الأبيض المتوسط.
وبالعودة الآن إلى موريتانيا التي ننتسب إليها، إبان فجر استقلالها، فلقد رأينا أن اللغة العربية جرى إقصاؤها من رموز الجمهورية الجديدة. لقد كان مكتوبا – عشية الاستقلال- على بطاقات الهوية التي يصدرها المستعمر عبارة [العامي] إلى جانب اسم صاحب البطاقة، في حالة ما إذا كان غير مثقف بالفرنسية، وقليل هم أولئك المثقفون بها. إن هذه العبارة كانت تشمل حتى العارفين بالعلوم العربية (العلماء).
وإذا كانت هذه العلامة المشينة قد اختفت من على الوثيقة، فإنها بقيت ضمنا في العقلية الرسمية لأصحاب ذلك العهد.
فهل يتعين علينا أن نتنازل أكثر؟ إن ذلك يتنافى مع روح المقاومة المنوه به آنفا.
حقا، لقد تشكلت على الفور معارضة سياسية، جعلت من التعريب قضيتها الأولى، يوم أنشأت عصبة من المعلمين نقابة للمعلمين بالعربية، وهي النقابة التي سوف تلعب، لاحقا، دورا حاسما، ليس فقط بالنسبة لانتصار التعريب، وإنما أيضا في بعث الوعي وروح الانعتاق لدى الشعب الموريتاني.
لقد كان رواد هذه الحركة هم أحمدو ولد عبد القادر، محمدن ولد اشدو، المصطفى ولد بدر الدين، ومحمدو ولد الناجي، وآخرون غيرهم، حتى وإن كان بعض من هؤلاء، قد تنكروا لتوجههم القومي، وباتوا فجأة يمثلون الخصوم الأكثر ضراوة ضد القومية العربية.
وأيا يكن الأمر، فإن قضية اللغة العربية قد قفزت إلى الأمام قفزة مثيرة، وفي غاية الأهمية بالنسبة للتطور المستقبلي لهذه القضية، وذلك بفضل النضال الباسل لهؤلاء الرواد.
وتجنبا للانغماس كثيرا في تفاصيل هذا التطور، فلنتذكر فقط المحاولات المتعددة لإصلاح التعليم بما لها وما عليها لكي ندرك أنها تشترك في نقطة واحدة؛ إنها فشلت كلها بفعل الضغوط التي تمارسها فرنسا، وجراء انخراطها المنهجي في خيارات السلطات الموريتانية، مجسدة بذلك إصرارها على حماية هيمنة لغتها؛ مع أن هذا الأمر قابل للتفهم. إن الأمر الذي يستحيل تفهمه هو هذا التشبث شبه التصوفي من طرف قسم من النخبة المتفرنسة بلغة أجنبية، وهذا الاهتمام الضئيل، إن لم نقل هذه العدوانية (خصوصا من طرف الزنوج الأفارقة) التي تجاهر بها هذه النخبة تجاه اللغة الرسمية، أقصد لغة دينها!..
إن إصلاح 1979، وهو الأكثر غباء من جميع الإصلاحات، قد بتر دنيا التعليم إلى فسطاطين، وخلق سابقة خطيرة، يمكن أن يطلق عليها "التعليم المنفصل"، سيء الصيت؛ حيث التلاميذ العرب يدرسون باللغة العربية، وزملاؤهم السود باللغة الفرنسية، مع ما لهذا النهج من آثار مشؤومة على الوحدة الوطنية، تسببت فيها هذه المبادرة البائسة..
لقد سدد إصلاح 1979 بالتالي ضربة هي الأقسى للغة العربية منذ أكثر من زهاء ثلاثين سنة، عند ما قضى هذا الإصلاح –عمليا- بإعفاء قسم من التلاميذ الموريتانيين من دراسة اللغة العربية، وعندما حرم هذه اللغة من الاختصاصات "النبيلة" أي الاختصاصات العلمية والفنية، بغية حصرها في الاختصاصات  الأدبية والدينية؛ دون أن يكون سببا في تحسين مستوى التعليم باللغة الفرنسية، برغم تسلط هذه اللغة على البيئة التربوية.
أما اليوم، فإن هذه الهيمنة تختلف عن سابق عهدها، لكونها تتباهى علنا باحتقار دستور البلاد، والتناقض الصارخ معه، ألا ينص هذا الدستور حقا، في المادة(6) منه، على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية؟ وهل ثمة أية إشارة في هذا الدستور، أو أية مرجعية مهما دقت تحيل إلى اللغة الفرنسية؟ وإذن، فبأي حق تحتل اللغة الفرنسية هذه المكانة المركزية في نظامنا التربوي وفي إدارتنا؟ إنه الجنون...

الإدارة والتشغيـل

إن الاستئثار القاسي ذاته الذي تحظى به اللغة الفرنسية ينطبق على دنيا التشغيل عموما وعلى الإدارة بصورة خاصة؛ فهذه الأخيرة بوصفها أكبر رب عمل في البلاد، تزيد فرص العمل بها على ثلاثين ألف فرصة، مع ذلك فإن نسبة طفيفة فقط من هذا الرقم هي ما يمثله الموظفون والوكلاء الناطقون باللغة العربية، بينما يعيش آلاف من حملة الشهادات وأصحاب الدرجات العلمية في مختلف الاختصاصات باللغة العربية، يعيشون غمرات البطالة، وتهرسهم طواحين اليأس؛ إنه الخزي الذي لا يبدو أنه لحد اليوم يثير أي قشعريرة لدى مختلف الأنظمة التي حكمتنا.. إن تهميش اللغة العربية، ولازمة هذا التهميش وهي هيمنة اللغة الفرنسية، فضلا عن كونه غير قانوني ومناف للدستور بصورة صريحة، فإنه مع ذلك هو السبب في الضرر الفادح، الذي بإمكاننا تلخيصه في :
-التأخر الكبير الذي تعاني منه موريتانيا على مستوى المعارف، في الوقت الذي تعيشه أمم العالم، ومنها حتى تلك التي تماثلنا، تطورا مذهلا في كافة مجالات المعرفة.
- اضطراب نخبتنا الوطنية المنتشطرة إلى اتجاهين : فمن جانب هناك العرب الذين يتصدون، بدون تأثير، لعملية عصية تستهدف تخريب ثقافتهم وطمس هويتهم، ومن جهة أخرى هناك الزنوج الموريتانيون الذين يتسمرون دون هوادة بلغة أجنبية، لا تجلب لهم سوى الاستلاب والابتعاد عن حقيقتهم على حساب حتى ثقافتهم الخاصة، فضلا عن الهوة التي تحفرها هذه اللغة بينهم وبين أولئك الذين هم أقرب الناس إليهم، أي مواطنوهم العرب.
- مناخ الريبة الدائم، الذي يتحول أحيانا إلى أعمال عنيفة بين مكوناتنا الإثنية.
- بلد في النهاية يراوح مكانه حتى لا نقول إنه يتقهقر، منذ نصف قرن، لأن جهوده دائما منصبة حول المشكل السرمدي للوحدة الوطنية.
إننا نشهد مأزقا تاريخيا وأزمة كبرى. ومع ذلكـ، فإن الحل الذي تستدعيه هذه الأزمة يبقى ميسورا ؛ بل إنه يبدو في المتناول بالنسبة لبعض أوجهه، بمجرد ما تتوفر الإرادة السياسية، إنه يقتضي في المقام الأول، بطبيعة الحال، أن تقوم السلطات العمومية بالمناسبة بإعداد سياسة تربوية حقيقية، تتضمن بالطبع مسألة اللغة....
ومع أن بعض القطاعات الأقل أهمية حظيت بالتشاور، فإن قطاع التربية ينبغي حتما، هو الآخر، أن يكون موضع سياسة تربوية حقيقية. إن تنظيم "المنتديات العامة" حول التربية – التي شكلت دائما- انشغالا أساسيا للرأي العام –حظي في النهاية بالاهتمام، صحيح أنه متأخر، ولكنه أمر مشجع من جانب الحكومة.. لقد وجد هذا الاهتمام ترجمته في إنشاء لجنة وطنية مكلفة بتنظيم هذا المحفل.
وإذا كان هذا الإجراء قد أحيا أملا أكيدا لدى الدوائر المهتمة بمصير منظومتنا التعليمية، فإن هذه الدوائر بالمقابل، قد أعربت مبكرا عن ارتيابها وخيبة أملها، نظرا للمواصفات غير المغرية في  الآلية المسؤولة عن المهمة الجوهرية في إنجاح هذه الأيام التشاورية...
إن توليفة اللجنة الوطنية للمنتديات العامة حول التعليم، على النحو الذي نشرت به، لا تبعث على الطمأنينة بكل تأكيد بخصوص الإرادة (السياسة) في مواجهة مشكل يتسم بالحساسية المفرطة، والتعقيد كذلك، مثل مشكل التعليم عموما، واللغة العربية على وجه الخصوص. إن الأمر بالأحرى طريقة (تقليدية) تروم الإيهام بالانشغال باحترام التعهدات الانتخابية للرئيس، بالحد الأدنى من التحري والجهد... فهل العملية مجرد توظيف للأصدقاء المشتركين إبان نظام المختار، حسبما يقول أصحاب النوايا الخبيثة؟ إن بالإمكان تلخيص هذه اللجنة -التي نيط بها مستقبل الأجيال الموريتانية– في أنها إنجاز الجديد بالبالي: يبدو أن المعيار الأساسي لاختيار أعضاء هذه اللجنة جرى على قاعدة الزمالة، أي أن يكون وزيرا للتهذيب ولو لوقت قصير جدا.
والحال أن خمسة من هؤلاء الأعضاء الإثني عشر كانوا وزراء في نظام ولد داداه ويؤخذ عليهم خاصة أنهم قاموا بوضع قواعد العملية التربوية على أرضية رخوة منذ البداية: مدرسة دخيلة مستنسخة من مدرسة المستعمر السابق؛ حيث لم يجر اتخاذ أي جهد لتكييف هذه المدرسة مع الخصوصية الموريتانية طيلة عشرات السنين، إذا نحينا جانبا المحاولات البائسة للازدواجية، والإجراءات الخجولة الرامية إلى إدخال اللغة العربية، وهي اللغة الوطنية واللغة الأم للموريتانيين؛ وكانت النتيجة المعروفة هي سلسلة الإخفاقات المتكررة، التي أدت أحيانا إلى الصدامات بين المجموعات.. إن تفويض هذه المهمة الشاقة إلى هيأة لا يمتلك أعضاؤها أي تأهيل مميز في ميدان معقد، ويتطور باستمرار، وهم بالتالي تجاوزتهم الأحداث، وفضلا عن ذلك، بلغوا سن التقاعد؛ إن هذا التفويض يساوي الإبقاء على الوضع الراهن، بل قد يساوي القهقرى، طالما أن أية مبادرة أخرى ستكون مرتهنة لمدة طويلة، بذريعة تبني "إستراتيجية" مريبة للتعليم... ولكي يتم تعقيد الأمور، تحت طائلة التعمية على هذه الإستراتيجية، فقد جرى قصدا إبعاد أي شخص، من توليفة هذه اللجنة، بمقدوره أن يرمز ولو قليلا للتطلع المشروع إلى إعادة تأهيل اللغة العربية، أي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد بقوة الدستور، إن الأسوأ من ذلك، هو حشو سلة المهملات هذه بالعناصر لفرانكفونية، برئاسة (كما ذكر آنفا) أحد المشهود لهم بالنزعة الغربية وهو الذي لا يبين بغير اللغة الفرنسية، ولا يفقه قطميرا من ثقافة قومه، على غرار الأغلبية الساحقة من الأعضاء الآخرين.

تطبيـق الدستـور

إن الأمر يتعلق هنا بالقيام بإصلاح خاص يعيد لأول مرة، ضبط الساعة، بغية ترجمة عملية لأحكام الدستور المتعلقة بمنزلة اللغات في حياتنا الاجتماعية والثقافية. وينبغي أن يجرى هذا الإصلاح بأكبر درجة من الصرامة، ولكن أيضا من واجبنا تجنيب هذا الإصلاح مطبات انفلات العواطف والحروب الكلامية، التي تحيق عادة بهذه المسألة،
مادامت الخيارات والتوصيات قد حسمها الدستور، على الصعيد النظري، بوضوح نموذجي، فالدستور ينص على أن العربية والبولارية والسونيكية والولفية هي اللغات الوطنية لموريتانيا، واللغة العربية هي اللغة الرسمية، واللغات الأخرى لغات وطنية.
لذا، فإن الجهود والتوعية يجب أن تنصب على الصعيد العملي الصرف، تطبيقا لهذه الأحكام.

مقتـرحات عملية

مع أني لا أدعي البتة أني عارف بالقضايا الفنية، إلا أني أجيز لنفسي أن أقدم عدة اقتراحات، بوصفها دعوة إلى نقاش، آمل أن يفضي إلى مجموعة من الأفكار القادرة على الإسهام في مساعدة السلطات على إنجاح هذا الاجتياز نحو التوازن.
1- تعريب التعليم

إن المنطق يقضي بأن نبدأ من الأسفل، أي بالمرحلة الأساسية، ثم الإعدادية، ونحن نوصي بالتعليم باللغة العربية حصرا في هذين المستويين.
- في الثانوية : اللغة الأساسية الإجبارية : اللغة العربية، وأما اللغات الأولى والثانية والثالثة فهي: الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، أو أية لغة أخرى ترى السلطات أن من الضروري إدخالها في منظومة التعليم
- في الجامعة : اللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية، بينما اللغات الأجنبية لها وضعية الإسناد والبحث.
أما في موضوع اللغات الأجنبية تحديدا، وخاصة اللغة الفرنسية، التي تربطنا بها عرى خاصة، فقد يبدو من نافلة القول التنويه بأهمية هذه اللغات بالنسبة لمشروع مجتمع عصري ومفتوح على العالم.
وقد نصحنا، لهذا الداعي، بتعليم هذه اللغات في الثانوية، ونحن نشجع بقوة استخدامها في المجالات المختلفة، من قبيل الاتصالات والمشاريع.
- سيكون تقديم دروس محو الأمية وتعليم الكبار باللغة العربية بداهة، فضلا عن التعليم في المحاظر. 

ترقية اللغات الوطنية....

امتثالا لتطبيق المادة السادسة من الدستور، فإنه من الواجب إعداد خطة لترقية اللغات الوطنية، بغية كتابتها (بالحرف العربي، على وجه الإلزام)، من أجل تحفيز التقارب بين مكونات شعبنا، وتعليم هذه اللغات للراغبين فيها وينبغي أن تمتد هذه الخطة على امتداد فترة من خمس إلى سبع سنوات، ويجب أن تكون موضع استدعاء ذوي الخبرة والكفاءات من الوطنيين والدوليين، وتجارب الدول الشقيقة والصديقة، وينطبق الأمر ذاته على مسألة التعريب.

الإدارة الوطنية العمومية والشغـل

إن الانتقال من إدارة تهمين عليها لغة أجنبية، وهي وسيلتها في التعامل، منذ أمد بعيد، إلى إدارة معربة يتطلب إرادة أكيدة، ويتطلب خاصة تخطيطا دقيقا ومتابعة دائمة. إنه لا مناص من الاعتراف بهذا الواقع، ولا مفر  من هذا الخيار بالنسبة لبلد يتطلع إلى اكتساب استقلال حقيقي – وليس مغشوشا كما نعيشه في حاضرنا- في عالم تتماهى فيه العولمة، بالنسبة للدول الصغيرة، مع استلاب هويتها وشخصيتها التي أضحت فرسية سهلة عند قراصنة الأدغال الدولية.
وأيا يكن الأمر،
فإن من الأهمية بمكان وضع خطة حصيفة من أجل هذا الانتقال من إدارة إلى أخرى، هذه الخطة التي تقتضي من السلطات المختصة الإعداد والتنفيذ بعناية، تحت إشراف رئيس الدولة؛ على أن تجرى على مرحلتين :
1- مرحلة الانطلاقة، وهي قابلة للتطبيق فورا، لأنها لا تكتسي صعوبة خاصة، ولأنها ترمي إلى وضع رموز الجمهورية في تطابق مع الوضعية الجديدة من خلال شطب الكلمات والعبارات، المكتوبة باللغة الأخرى أي الفرنسية، الواردة في هذه الرموز، كيما تبقى بها سوى الكلمات والعبارات العربية.
إن ذلك يعني شطبها من :

-
       شعارات الدولة المجسدة في النخلة والسنبلة.
-
       رأسية الوثائق الرسمية.
-
       الصورة الرسمية لرئيس الجمهورية.
-
       اللوحات المثبتة على واجهات المباني الرسمية :
الوزارات، شركات الدولة، المصالح العمومية........الخ.
من جهة أخرى، فإنه يجب أن تكون الخطابات والمداخلات الرسمية، في الداخل كما في خارج البلاد، باللغة العربية، فضلا عن النقاشات أثناء الاجتماعات الرسمية، مع ترجمتها، عند الاقتضاء، لصالح الناطقين بغير العربية أثناء الفترة الانتقالية التي سيجرى الحديث عنها لاحقا. كما أن النصوص الرسمية، مهما كانت طبيعتها، سيتم إعدادها باللغة العربية، وترجمتها عند الاقتضاء إلى اللغة الفرنسية لصالح الناطقين بغير العربية أثناء الفترة الانتقالية، حصرا.
وأخيرا، فإنه ينبغي توجيه أمر إلى الخصوصيين من أجل الامتثال للنصوص الجديدة، وخصوصا ما يتعلق بالعناوين واللافتات التجارية والاشهارية، التي يجب أن تكون باللغة العربية. وفي حالة إلصاق ترجمتها بلغة أجنبية، فإن هذه الترجمة، يجب أن تأتي أسفل النص العربي وبحروف أصغر حجما.
2- فترة انتقالية من سنتين، على سبيل المثال، تظل الإدارة خلالها تعمل باللغة الفرنسية، فيما يتم تأهيل وإعداد الموظفين والمستخدمين في الدولة، غير الناطقين بالعربية، للوضعية الجديدة؛ ويجب على هؤلاء إذن، أن يستعدوا لتعلم العلوم الأساسية للغة العربية، حتى يكون في مقدورهم، في نهاية الفترة الانتقالية، امتلاك المستوى الأدنى من إتقان ملفاتهم، وعندها سيكون بالإمكان الدمج الكامل لهذه المقاربة في مزاولة وظائفهم في النهاية، مع مرور الزمن ومساعدة تراكم التجربة. وعلى الدولة، بطبيعة الحال، أن تتكفل بالأعباء المالية لعملية التدريب هذه، من خلال توفير المعلمين، والكتب والملحقات الأخرى. كما أنه من واجبها أن تتخذ إجراءات تشجيعية لصالح المستفيدين من هذه الدورات التدريبية. ويجب أن يوكل الشق الثاني من تنفيذ هذه الخطة إلى هيأة سامية، مثل لجنة وطنية بإشراف وزراء التعليم، والوظيفة العمومية والشغل، ووزارة الثقافة، أما ما يتعلق بالشق الأول المتعلق برموز الجمهورية، فإنه يتعين على الوزير الأول أن يصدر فورا المقرر القاضي بتنفيذ استيفاء تعريب هذه الرموز.. أليس من الجارح، بل من المفزع حقا أن نشاهد هذه الرموز منشورة، بطريقة متغطرسة، بلغة أجنبية، حتى وإن صاحبت هذه الرموز غالبا ترجمتها باللغة العربية.؟
ترى من هي هذه الأمة، في سائر الدنيا، الغيورة على شخصيتها، ومع ذلك تشهد على نفسها بهذا الاحتقار الفاضح جدا لرموزها؟ وما هو السر في هذا الهوس، في هذه النزعة المخبولة لترجمة أصغر لوحة إعلانات، وأصغر شعار وأقل خطاب إلى اللغة الفرنسية؟.
إنه شيء محير تماما.

العـوائق والتحـديات

إن العوائق والتحديات، بالأساس، ذات صبغة سياسية، ذلك أن العقبة الأولى في تطبيق المادة السادسة من الدستور، المتعلقة برسمنة اللغة العربية ووضعية اللغات الوطنية تكمن في فرنسا، التي ما فتئ تأثيرها على السياسة الموريتانية، في السابق كما في الحاضر يشكل معطى دائما لا فكاك منه، وينبغي التحسب له، ما لم تأخذ حكومتنا ورئيسنا –المنتخب ديمقراطيا، ونأمل ألا يكون مسلوبا من حسه الوطني- مسؤولياتهم بأنفسهم من أجل التفاوض على هذا المنعطف العسير، وإقناع شريكنا العتيد على وجه الخصوص في تسهيل إنجاح هذا الإصلاح بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل بلدنا، مع تطمينه على مصالحه، التي ستحظى بالحماية الدائمة.
إنها بحق مناسبة ليطلب هنا من السيد رئيس الجمهورية أن يتخذ هذه المسألة بحجم أهميتها للعودة إلى الشرعية الدستورية، التي تؤرق بشدة أغلبية الشعب الموريتاني، وأن يمنح هذه المسألة مكانتها التي تستحق، على غرار المشاكل التي حظيت حتى الآن باهتمام استثنائي من لدن السلطات، مثل مشكل عودة اللاجئين أو مناهضة الرق.
أما العقبة السياسية الأخرى لهذا التطبيع، فهي ذات صلة بوجود طبقة من العرب المثقفين بالفرنسية، ومعها طبقة أخرى من الزنوج الأفارقة، أو تحديدا من المتطرفين الزنوج الأفارقة؛ هؤلاء جميعا يجدون أنفسهم، من حيث المبدأ، مناهضين لكل ما يمكنه أن يقلل، ولو بالنزر اليسير، من سطوة اللغة الفرنسية.
إن أسباب هذا الاستلاب، بالنسبة للمفرنسين العرب، ربما تكون من باب الخشية من فقدان امتيازاتهم، ولكن أيضا بسبب جهلهم للغتهم الخصوصية، والعقد والمكبوتات الناتجة عن هذا الجهل.
أما بالنسبة للمتطرفين الأفارقة، المتأثرين بشدة بخطاب التنظيمات العنصرية مثل حركة أفلام، فهؤلاء يرفضون بالجملة كل ماله صلة بالعرب، بما في ذلك، طبعا لغتهم.
إن الجميع من هؤلاء وأولئك، يسوغون موقفهم بأسباب مختلفة، منها على وجه الخصوص، عدم أهلية اللغة العربية، من حيث هي لغة، في تأمين تعليم مناسب، وبخاصة فيما يتعلق بالاختصاصات العلمية والتقنية، زاعمين أن اللغات الغربية هي وحدها المؤهلة لذلك.
وفي نظرهم أن فشل التعريب في البلدان العربية يشكل برهانا على صحة هذا الزعم. إنه الخطاب المقلوب والممجوج، الذي يطل علينا مع كل مناسبة للنقاش حول موضوع اللغة العربية.. ولكن لنرى الأمر على وجهه الصحيح.
إذا كانت اللغة العربية ، معسرة اليوم، فعلا- نظرا للوضعية التي توجد فيها الأمة العربية- أمام البرهنة على أي نجاح ذا طبيعة علمية أو تقنية يحمل البصمة العربية الأصلية، فإن ذلك لا ينفي أن هؤلاء العرب قد وضعوا بصماتهم على التاريخ طيلة سبعة أو ثمانية قرون، وكانوا هم المنشأ للقسم الأكبر من المعارف العلمية الراهنة في الغرب.
فبأي لغة توصل العلماء العرب من القرن الثامن وحتى القرن الرابع عشر إلى حمل المعارف العلمية إلى هذه الدرجة التي لا تضاهى، وفقا لتقييم الغربيين أنفسهم، إن لم يكن بلغتهم العربية؟ بأية لغة حرر أساطين العلوم الموسوعية العرب أعمالهم، مثل الخوارزمي، ابن سيناء، ابن الهيثم، البريني، الكاشني، عمر الخيام، وغيرهم، هل حرروها باللاتينية أم بالعبرية، أم بالصينية...أم بالعربية؟
أليس علم الجبر، واختراع الرقم صفر، ومعادلات الدرجة الرابعة، والفيزياء والكيمياء، وعلم الفلك والطب، كل هذه العلوم التي أنتجها عباقرة الفكر العربي ووضعوها في خدمة البشرية، أليست علوما خالصة؟ أو لم تكن اللغة العربية هي الحامل الذي لا غنى عنه لهذه العلوم؟ ثم، من جهة أخرى، هل يمكن أن تعجز لغة خصت بحمل أسمى الرسالات وأدق العلوم – اقصد كلام الله تعالى- عن شرح نظرية أو تناقل عضوي؟
لنتوقف عن البرهنة على هذه البدهية، ولننظر إلى هذه النظرية السخيفة – الصادرة عن الأوساط المفرنسة المتثاقفة والمستلبة التي تعمل جهدها من أجل التقليل من شأن لغة أكثر من مليار من الشبر- وهي تنهار كأنها صرح من ورق.
أما بخصوص البطء في مجال التعريب في الدول العربية، فهو مع الأسف، واقع حقيقي بالنسبة لعدد كبير من هذه الدول؛ يبد أن الخطأ – كما رأينا من قبل – لا تتحمله اللغة العربية ذاتها؛ بل هو راجع إلى السلطات السياسية، ومنها سلطاتنا- التي لطالما حاربت على الدوام هذه اللغة. ومع ذلك، فإن تقدما لافتا قد حدث في هذا المجال بفعل ضغط وكفاح الطلائع القومية في العديد من الدول العربية. ففي سوريا، مثلا، جرى تعريب التعليم تماما، بما في ذلك الاختصاصات العلمية، وعلى جميع المستويات، منذ عقود عديدة. والعراق، قبل الاحتلال الأمريكي، استكمل عمليا هذا التعريب، والحال يمكن أن ينطبق أيضا على الأردن، ومصر وتونس.

الخلاصة

 خلاصة القول إن الدستور كرس اللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية لموريتانيا، ولكن هذا الترتيب الدستوري بقي تطبيقه منقوصا. إن هذه المساهمة تهدف – بتواضع وموضوعية- إلى المساعدة في تدارك ضعف الدستور، ومن ثم العودة إلى الشرعية الدستورية.
إن هذا الإصلاح، في النهاية، من مسؤولية رئيس الجمهورية، بوصفه ضامن الدستور، وبالتالي يجب أن يحظى بالتزام ودعم الأحزاب السياسية، والمجتمع المدني وكافة المواطنين الموريتانيين المدركين لمسؤولياتهم...
----------------
ملاحظات من المترجم

1-
    النص الأصلي بالفرنسية وقمت بترجمته، لأني وجدته رائعا وفي وقت تحتاج فيه اللغة العربية إلى من يحتمي لها من طابور فرنسا في موريتانيا.
2-
     اعتمدت ترجمة روح النص، دون التقيد الحرفي بعباراته، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك.

سالم زيدان

ترجمة محمد الكوري ولد العربي

medkouri.a@.yahoo.fr

 

 

 

 

                                                                                                                                                 ا