بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة ألقاها مسؤول الثقافة والإعلام محمد الكـوري ولد العـربي في الندوة التي نظمها الحزب يوم الأحد 17/08/2008 دعما لتغيير السادس أغسطس
كشفت أحداث السادس من أغسطس أن البلاد كانت على حافة الانهيار جراء المواجهة المفتوحة بين الرئيس السابق والأغلبية السياسية التي أوصلته إلى سدة الحكم. واتضح في سياق تلاحق الأحداث، من بعد، أن الانسداد كاد يدفع بالبلاد إلى فوضى تتحلل فيها مؤسسات الدولة، وهيبة السلطة العمومية. وازداد الأمر خطورة عند ما أقدم الرئيس السابق على إقالة أربع قيادات عسكرية بجرة قلم، دون تهيئة أو تبرير، وبشكل مفاجئ، الأمر الذي أوشك أن يفتح البلاد على احتمالات الافتتان بين تشكيلات المؤسسة العسكرية، التي هي المؤسسة المنظمة الوحيدة في البلاد القادرة على حماية وجودها، وكيانها الوطني. لقد نم إجراء الرئيس السابق بإقالة قيادات الجيش والأمن الوطني عن إرادة مبيتة لحمل القيادات العسكرية على الاقتتال فيما بينها، وبالتالي كان إجراء غير مسؤول، بل يرتقي إلى درجة الإثم في حق الوطن. لقد دخلت بلادنا يوم السادس أغسطس منطقة الخطر الشديد، لولا التحرك السريع والموفق من جانب القيادات المستهدفة بإجراء الرئيس السابق، ولولا روح المسؤولية والوطنية العالية، التي تحلت بها هذه القيادات جميعا، المستهدفة والمعينة، لتجنيب البلاد الوقوع في مهوى سحيق..
لقد كان حزبنا ـ حزب الصواب ـ حريصا، منذ تأكد من حقيقة توجهات الرئيس السابق، على أن يوضح للموريتانيين، في المناسبات المتاحة، الخطر الذي يتهدد البلاد جراء السياسات التي يتبعها الرئيس السابق. وهذه المواقف المناهضة لتوجهات الرئيس السابق موثقة، وموجودة على شتى المنابر الإعلامية الوطنية، خصوصا منها ما يتعلق بالقضايا الحيوية للشعب الموريتاني، مثل العمل على تحسين واقعه المعيشي وصيانة هويته الوطنية واحترام لغته الوطنية الرسمية – اللغة العربية- التي من المفروض أن تكون لغة إدارة وعمل للموريتانيين جميعا.
لقد قابل الرئيس السابق مواقفنا الصريحة المناهضة لتوجهاته بالإصرار على تهميش حزبنا ومحاولة عزله عن الأغلبية السياسية الحاكمة، تارة بتغييبنا عن المشاورات وإبداء الرأي، و تارة بافتعال معايير، القصد منها إقصاؤنا لحساب أطراف سياسية أخرى، كانت تخاصمه وتعادي برنامجه الانتخابي، سبيلا لتوسيع قاعدته التنظيمية والسياسية على أنقاض الأغلبية التي أوصلته للحكم.
وتبين أن الرئيس السابق كان يعاني من نقص حاد في الوعي السياسي، الذي هو الشرط اللازم لإدارة الدول، وإلا كيف يسعى رئيس يتمتع بأغلبية برلمانية وسياسية مريحة إلى افتعال الخلاف معها، وإقصاء بعضها، وتهميش بعض آخر والدوس على ثوابت شعبه، وكيف يستساغ ديموقراطيا أن يعمد رئيس منتخب إلى الاستغناء عن أغلبيته التي دعمت برنامجه، واللجوء إلى خصوم هذا البرنامج دون أية دوافع موضوعية؟ وكيف يصر رئيس منتخب على التعتيم على أزمة سياسية، تشكل خطورة بالغة على بلده، حتى يفاجئ مواطنيه بإجراء يعادل في خطورته حل مؤسسته العسكرية؟
لقد فضل حزبنا الاحتفاظ بخط الحياد قبل أحداث السادس من أغسطس، تجنبا للانخراط في تأجيج نار الصراع، وتأليب بعض الأطراف على بعض، ولكن الإجراء الذي اتخذه الرئيس السابق بإقالة قيادات المؤسسة العسكرية بجرة قلم دون أي مبرر، اعتبرناه غاية في الخطورة على مستقبل البلاد، لأن هذه المؤسسة بالنسبة لنا خط أحمر، لا نقبل المساس بها، ولا الانتقاص من شرفها، وكنا حذرنا في مناسبات سابقة لأحداث السادس من أغسطس من نتائج استفزاز هذه المؤسسة أو التعرض لأمنها.
إن مؤسسة الجيش الوطني نعتبرها صمام أمان لهذه البلاد، ونعتبرها الموئل والملجأ عندما يعجز الجميع عن تغيير الأنظمة الفاسدة والمستبدة، وقد فعلت ذلك تاريخيا، وحافظت على الوحدة الوطنية وكياننا الوطني في الفترات العصية. ولا يمكن أن تكون موضوع مساومة أو نقاش أو مضاربة أو ورقة من أوراق السياسيين، أبدا.
لقد أوضحنا هذا الموقف الحازم في مناسبات سابقة، ونؤكده اليوم حفاظا على موريتانيا، قبل أي اعتبارا آخر.
إن الذين امتطوا هذه
الأحداث لنقل الصراع عن إطاره الوطني بغية تدويله، عليهم أن يراجعوا مواقفهم،
ويعتبروا بمصائر الشعوب التي استنجد قسم من نخبها بالقوى الدولية. إن موريتانيين
قادرون على تصفية مشاكلهم بأنفسهم إذا نصحوا لمصالح شعبهم، ونحوا جانبا مصالحهم
الضيقة. فالشعب الموريتاني الرازح اليوم تحت واقع من الفساد المستشري، والأسعار
الجنونية للمواد الغذائية وانتشار عصابات القتل والنهب، لهو في غنى عن تحريض القوى
الدولية لفرض حصار اقتصادي عليه، أو تشجيع هذه القوى على التدخل في شؤون موريتانيا
الداخلية، أو تأليبها على أبنائه في المؤسسة العسكرية، لقاء السعي المخبول إلى فرض
إرجاع رئيس ضعيف، ساءت الأوضاع كلها في ظله.
إن حزب الصواب ـ كما أوضح في بيانه يوم 6/8/2008- كان يتمنى أن تحل الأزمة السياسية
بالطرق الديموقراطية، ولكنه لا يتردد في دعم المؤسسة العسكرية، إذا أصبحت الأطراف
المناوئة لتغيير السادس أغسطس تلوح أو تصرح بالاستنجاد بالأجنبي على هذه المؤسسة،
خصوصا وأن القوى الحزبية والسياسية الوطنية قادرة على النقاش الوطني الهادئ لإيجاد
أرضية للتفاهم مع المؤسسة العسكرية، تعود فيها البلاد إلى الحياة الدستورية، بعد
تنظيم انتخابات رئاسية قريبا، تراعي تجنيب أخطاء المرحلة الانتقالية، والعيوب التي
أفرزتها ممارسة السلطة في عهد الرئيس السابق.