بسم الله الرحمن الرحيم
دراسات
ضرورات بناء إجماع وطني
يتزايد في هذه الأيام الحديث عن اهتمام السلطات الجديدة بقضية واحدة: هي قضية
المبعدين، وفي ذات الوقت تتزايد حيرة الرأي العام للطريقة التي تدار بها، الأمر
الذي أدى إلى تخوف المواطنين من أن تكون بداية لفتح الحدود أمام الأجانب، دون
تمييز،وجعل الجنسية الموريتانية مشاعة لجميع القادمين من أهل الهجرة السرية، كما
يستغرب الرأي العام تجاهل السلطات المنتخبة لموضوع اللغة الرسمية (اللغة العربية)
وعدم الإشارة الى تطبيقها كلغة عمل وإدارة،وإنهاء تهميشها الذي برز للعيان في
الفترة الأخيرة.
فمِثْلَ سائر شعوب العالم نشأت هويتنا الوطنية على إجماع الأنظمة الروحية
والمادية التي اعتنقها الإنسان على هذه الأرض وكان الإسلام وحاضنه المتمثل في اللغة
العربية وما ارتبط بالاثنين من منظومة أخلاقية وقيمية هما وعاء هذه الهوية، وأساس
ضمانها.
ولقد ظلت منظومة الأخلاق والقيم المترشحة عن الإسلام واللغة العربية تتحكم وتترسخ
على سيرورة الوجدان الجمعي للإنسان الموريتاني دون استثناء، قبل أن يتدخل الاحتلال
الفرنسي في مطلع القرن العشرين وينفث سمومه الثقافية في لحمة المجتمع الموريتاني
وأساسها الثقافي المتمثل في اللغة العربية التي كانت أداة التواصل الثقافي المكتوب
ووسيلة أداء الشعائر بين مكونات شعبنا. ولا يخفى ما أراده الاستعمار الفرنسي من
وراء إحياء الاسم الروماني الموغل في القدم " موريتانيا " سعيا لإحداث قطيعة
في سيرورة الهوية وما تلا ذلك من حلقات تنوعت في الأشكال والمضامين لكنها نزعت
لتحقيق الهدف نفسه، وهو طمس وتذويب الهوية العربية الإسلامية للبلاد.
وقد شكل الرعيل الأول من المنتفعين بثقافة الاستعمار والمرتبطين بمشروعه المجتمعي
أقسى عوامل التذويب للهوية الوطنية فهيأ الجزء الأوفر من جهده لجعل الوضع الثقافي
الموريتاني وفق ما أرادته السلطة الاستعمارية، وتلك طبيعة الاستعمار: السيطرة
الثقافية.
ورغم الصراع المرير الذي خاضته فئات عريضة من نخب وقادة الرأي المعارضين لمشروع
الاستعمار بغية الوقوف في وجه العابثين بالهوية العربية الإسلامية لموريتانيا وما
حققوه في هذا السبيل من إنجازات يتبين أنها أي : الهوية الوطنية للدولة
الموريتانية لم تتحول بعد إلى مشروع سياسي وثقافي تعمل له جميع القوى الوطنية
والأحزاب السياسية، خصوصا التي يفترض نظريا أن يكون ذلك من دعائم مبررات وجودها،
بل أن مجموعات عديدة من هذه القوى تكرس الجزء الأهم من جهدها اليوم لطمس وإرباك
هذه الهوية على نحو يجعلنا في وضع ثقافي يوشك أن يوصلنا الى الوضع الموجود في
"هايتي" أو "كوادلوب" وهو ما يعيد بالضرورة هاجس الخوف المبرر لدى السواد الأعظم
من المواطنين المتمسكين بأصول هويتهم وضامنها الأساسي : اللغة العربية، التي شكل
اعتبارها اللغة الرسمية الوحيدة في دستور 1991 أهم مكسب سياسي في التاريخ المعاصر
والراهن للبلاد.
ومما يقوي عودة هواجس الخوف على نحو جامح في النفوس اليوم، هو عودة خطاب الحفاظ
على الهوية، ومواجهة تهديدها في العالم عند دول حسمت أمرها في هذا الصدد منذ قرون،
مثل فرنسا التي تحول خطابُ الهوية فيها ـ أثناء الحملة الرئاسية الأخيرة ـ إلى نقطة
مركزية بعد أن اقترح المرشح الفائزـ على سبيل المثال ـ إنشاء وزارة للهجرة والهوية
الوطنية. وعلى الرغم من حرص منافسته الاشتراكية على التمييز بين الحس الوطني
والنـزعة القومية، فإنها انجرفت بعيداً عن مبدأ الأممية الدولية الذي اعتنقه الحزب
الاشتراكي منذ أمد بعيد. أما من يقدم نفسه بديلا للاثنين فرغم اختلافه جذريا عن
منافسيه،فقد دعا إلى حرمان القادمين من جزيرة مايوتي الفرنسية من حق الحصول على
الجنسية الفرنسية وذلك بسبب تدفق أعداد هائلة من النساء الحوامل إلى الجزيرة .
وأميركا أيضا تطورت وتقدمت من خلال الحفاظ على هويتها (الأمير كية ) لا
غير،
وقد أكد ذلك أحد مؤرخيها المعاصرين حيث قال:
إننا
قلقون على الهوية الأمير كية بسبب التحديات التي تتمثل في الهجرة وأصول المهاجرين
العرقية والثقافية وما يشكلون من خطر على هذه الهوية الأميركية
.
تنامي صحوة خطاب الهوية في العالم ـ منشؤه في المقام الأول ـ يعود إلى هوس وضجيج
خطاب العولمة الآنكلوساكسوني الذي تقف وراءه الولايات المتحدة، لأن مضمونه الواقعي
نَفْيُ هويات الآخرين لإفساح المجال أمام طغيان نموذج الهوية الأمريكي، والمسألة
إنما هي استمرار أقل غطرسة لتجربة إلغاء الهنود الحمر.
لكن تنامي خطاب
الهوية
هذا في مناطق من العالم تزيد من وقعه ظاهرة الهجرة التي تتغذى على مصادر العيش
والرفاه في البلدان المتجهة إليها، والأخطر من ذلك تهديد نسيجها الديموغرافي
الطبيعي خصوصا إذا كانت من البلاد التي تعرف تعددا أثنيا ترتبط إحدى جوانبه بأي شكل
من أشكال الارتباط بالمكان الذي تنطلق الهجرة منه.
وموريتانيا من النماذج التي ينطبق عليها هذا الأمر، مما يجعلها في وارد البحث
العاجل عن التدبير المناسب للحفاظ على هويتها المهددة، وليس هناك ما هو أوضح من
التمسك بلغتها الرسمية اللغة العربية وجعلها لغة العمل انسجاما مع دستور البلاد
وروح شعبها دون أن يكون في الأمر انتقاص من مكانة اللغات الوطنية التي لن تنعم
أكثرية السكان بمزايا لغتهم الأم إلا إذا كانت الأقليات تشعر باطمئنان أن خصوصيتها
القومية مصانة ولغاتها تدرس بالطريقة التي تناسب محدداتها في ميزان التعدد الطبيعي
للبلاد. أي إنه لا يكفي اعتراف الأكثرية بخصوصية الأقلية وحمايتها فحسب، وهو من آكد
الأمور، بل ـ أيضا ـ لابد من اعتراف هذه الأقلية بهوية الأكثرية وضمانها واحترام
الثوابت القائمة عليها (كاللغة) دون تجاهل أو نكران لأن في ذلك إقرار بالحقائق
والمعطيات التاريخية والسوسيولوجية والدستورية والقانونية السائدة.
إن بلادنا الخارجة لتوها من مرحلة سياسية متطاولة ضمت في تضاعيفها كثيرا من
الملفات المعقدة لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الموضوع تحتاج إلى نظرة مسؤولة،
مبنية على أساس العقل والإنصاف، وتجارب الشعوب الأخرى التي تعرضت لمسارات مشابهة
لما تعرضت له بلادنا. و في مقدمة ذلك عدم الاختزال، وانتقاء الملفات، و الركون إلى
الرؤية الأحادية التي شكلها ميزان قوة إعلامي غير متكافئ في فترات زمنية معينة،
وتشويه حقائق وطمس أخرى، لأننا إذا كنا
دخلنا
حقا مرحلة الديمقراطية والحرية والتعددية فإن التعامل مع القضايا الوطنية على
طريقة
الصفقات والتسويات السرية لم يعد ممكنا، وكذلك أسلوب التخويف من كشف حقيقة
بعض
القضايا ـ كما هي ـ بحجة الاتهام بالعنصرية، للحيلولة دون التعاطي معها بموضوعية،
لأنه من حق الرأي العام كل الرأي
العام
الوطني أن يعرف كل شيء عن قضاياه وكيف يديرها السياسيون دون تضليل أو تدليس خاصة
القضايا المصيرية ولن يكون الأمر متاحا إلا من خلال:
1-
العمل الجدي لمراجعة مناهجنا التربوية التي شوهت الهوية الوطنية وخلقت مظهرين
للتعبير عنها والمفارقة التي لا يستوعبها أي خيال هي أن آلافا من الأطر والمثقفين
المكونين بلغتهم (العربية) محرومون اليوم من التوظيف بسبب اللغة!!
2- اعتبار الثوابت الوطنية أمورا غير قابلة للتصرف وهي محددة في دستور 20 يوليو
1991 وفي مقدمة هذه الثوابت إقرار جميع الفاعلين السياسيين بالهوية العربية
الإسلامية لموريتانيا والكف عن تعويم هذا الثابت، لأن من أهم أسباب عزوف
الموريتانيين عن التعاطي الإيجابي مع الدولة الوطنية هو القطيعة التامة بين إدارات
هذه الدولة وبين المواطنين الذين لم يجدوا فرقا بينها وبين إدارة الدولة
الاستعمارية.
3- النظر إلى الماضي الإنساني والسياسي نظرة شاملة
تكرم الشهداء وتنصف
كل الضحايا بعين واحدة،
بما
في ذلك كافة التصفيات التي تمت في المؤسسة العسكرية دون انتقاء على أساس اثني أو
سياسي، مسائلة بذلك كل الممارسات السياسية التعسفية للعهود الاستثنائية.
4- التعامل مع ملف المبعدين على أنه ملف حقوقي وإنساني يهم جميع الموريتانيين وليس
أجندة سياسية لفئة أو حزب معين. وينبغي حله على أساس المصلحة الوطنية وإنصاف
الضحايا وأخذ حقوقهم كاملة، لكن الضحايا وحدهم، بروح من التسامح، بعيدا عن
المزايدات وخطابات الماضي المشوهة وغير المقبولة، من قبيل التلويح أو التصريح بفتح
المتابعات أمام المحاكم، داخلية كانت أو خارجية، تجنبا لخلق مشكلة لا تختلف عن
المشكلة الأولى، بل ربما تكون أخطر منها، لأنها ستدفع بالبلاد الى الاصطفاف على أسس
عرقية وليست وطنية.
5-إنصاف الموريتانيين الذين تضرروا من أحداث 89 خارج البلاد والوقوف الأدبي
والسياسي لكل مكونات المجتمع الموريتاني وراء قضيتهم، باعتبارها قضية إنسانية
ووطنية عامة، لا يمكن الركون فيها إلى ما قام به النظام السابق، خصوصا أن قضيتهم
راحت ضحية تعتيم إعلامي ممنهج.
6-أبعاد كل أشكال التعويل على العامل الخارجي في التعاطي مع القضايا الوطنية،
فالتوظيف السياسي الإقليمي والعالمي يضر بالوطن ولا ينصف بالضرورة الضحايا. وقد
رأينا ما يجلبه التعويل على العامل الخارجي من كوارث لم تستثن الطالب ولا المطلوب.
فالحل لن يكون إلا إذا استند على رأي الشعب الموريتاني والبحث عن التفاهم داخله ومن
خلال هيئاته ومؤسساته و ليس عبر محاولات الضغط على السلطات، استغلالا لظروفها، إذ
ليس بإمكانها أن تعطي إلا ما يعطيه الشعب الموريتاني، لأن الباقي على الأرض ليس
السلطات ولا القوى الأجنبية، وإنما الشعب الموريتاني.
نواكشوط
25/06/2007
مكتب الإعلام