دراسات
أحداث إبريل 1989
بيـن الحق والباطل.. التاريخ يقول !!
تشهد
الساحة الموريتانية منذ فترة ملحوظة تطورا كبيرا في معادلات الكتابة والتحاليل
النازعة إلى سبر أغوار المجتمع المحلي والقوى الفاعلة في صنع أحداث البلد عبر
التاريخين المعاصر والراهن، بغية استبانه أدوارها المحتملة في مطالب الحاضر
والمستقبل القريب .
وقد تسارع الأمر في الأشهر الماضية على إيقاع ما عرفته البلاد من تحولات سياسية على
مستوى الحكم أدخلتها على نحو جامح في دائرة الضوء الإعلامي والاستراتيجي، وفرضت
وعيا متزايدا في الصيت والأهمية في أذهان المهتمين بها، سواء من القوى القديمة أو
التي دخلت إلى ساحتها في السنوات الأخيرة بعد أن غدت البلاد ذات موقع استراتيجي
كبير، وخزانا محتملا لأهم الثروات التي تسترعي انتباه القوى العالمية .
وعلى نحو لا تخطئه الملاحظة ، يبدو أن الكثرة الغالبة من تلك التحليلات اتكأ
أصحابها على استقراء البعد التاريخي ، واستنطاق أحداثه خصوصا في السنوات التي تلت
الاستقلال في النصف الأخير من القرن الماضي ، ورغم القرب الزمني لهذه المرحلة
واستمرار أجيالها حاضرة بقوة في المشهد السياسي والإعلامي والفكري للبلاد في راهن
الأيام ، لم يمنع ذلك وقوع جمهرة تلك التحليلات فريسة للعلل الأساسية المعروفة في
مبادئ الصناعة التاريخية، التي تحتم مراعاة أمور عديدة من أوكدها على الإطلاق تحقيق
الأصول والتثبت من الأحداث ورواية الأخبار وقبل ذلك كله ممارسة الرقابة الصارمة على
الميول والأحكام ، وكل "البديهيات " غير المثبتة إلا تحت ضغط وقوة تلك الأهواء
والميولات ، التي غالبا ما يشكل تراكمها في الذهن تضليلا لصاحبها على نحو يقوده مع
الزمن إلى تصديقها دون البحث ولو مرة واحدة عن مدى مطابقتها لواقع الحال
.
لقد رتبت " كتابة " التاريخ الوطني على هذا النحو غرامات فادحة على حقائق التاريخ
نفسه وشوهت الذاكرة الوطنية على نحو يخدم المعالم الحزبية الضيقة للمجموعات التي
امتلكت في ظروف معينة وسائل التأثير الإعلامي ، ونعني بهؤلاء على نحو أدق المجموعات
التي امتلكت في وقت مبكر وسائل التواصل مع دولة " الميتروبول" وإذاعتها المسموعة
بعناية في أوساط النخب الوطنية ، وكانت لها امتدادات في دول المنطقة وكامل المجال
الافرانكوفوني على المستوى القاري والعالمي
.
لقد ظلت هذه المجموعة إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي ذات حضور منفرد على
مستوى بناء المشهد الإعلامي الوطني ، وعملت ما بوسعها على تشويه التيار العروبي –
الإسلامي ، وربطه في أذهان الناس بالمحطات المظلمة من تاريخ البلاد ، بدءا من أحداث
1966 حتى 1989-1991.
وكنا في التيار القومي العربي نحسب أن منشأ هذا التوجه ثقافي محض، ومكين الصلة
بمشروع الاستعمار الثقافي، الذي أًَُجهض في البلاد بفعل قوة الثقافة العربية
الإسلامية العالمة ، التي تجذرت في هذا المنكب منذ قرون سحيقة ، لكننا على نحو غير
متوقع شعرنا بنصال جديدة تتكسر على القديمة، ومنشؤها هذه المرة من حيث لا نحاذر؛ أي
من تيار تعرض مثلنا للتشويه وتقلصت بيننا وإياه المسافة، واتحدت الرواية في مناطق
عديدة من ساحتنا القومية؛ إنه التيار الإسلاموي ، الذي امتلك منذ سنوات وسائل إعلام
جمة فاقت أحيانا وسائل الدولة الرسمية ، وكرس أجزاء من مجهوده لمهاجمة التيار
القومي العربي في موريتانيا، خصوصا تيار حزب البعث العربي الاشتراكي. ويندرج في هذا
الجهد ما تواتر من كتابات ومداخلات هنا وهناك من بعض كتاب هذا التيار، خصوصا عقب
هروب بعض رموزه من السجن على إثر أحداث الثامن من يونيو 2003 ، وإقامة تلك الرموز
في دول غربية، حملوا فيها البعثيين تبعات التركة الإنسانية ، التي ارتكبها نظام ولد
الطايع في حق زنوج من الموريتانيين، غير أن هذا الجهد المتحامل اتسع ليشمل الكاتب
الإسلاموي التونسي راشد الغنوشي، الذي نحا نحو الإسلامويين الموريتانيين في تعليق
الموروث الإنساني السيئ لنظام ولد الطايع على البعثيين، وخاض في ذلك خوضا مثقلا
بالكذب على التاريخ والوقائع في مداخلة له بهذا الموضوع، يمكن للراغب الاطلاع عليها
في موقع النهضة، لذلك اقتضى الرد.
إنما ورد في مداخلة راشد الغنوشي من مغالطات تاريخية وقع فيها هذا الكاتب "الكبير "
أو أوقعه فيها حواريوه من الاسلامويين الموريتانيين ، يستلزم منا إطلاع راشد
الغنوشي على الحقائق التاريخية التي لا يماري فيها إلا مكابر ، عصي على الحق كاره
له . كما أن هذه الحقائق ستمكن راشد الغنوشي من الرجوع إلى الحق إن هو أراد ، وفوق
ذلك تنير القارئ الكريم ، الذي التبس عليه الأمر فحار في تخريج الحق من الباطل في
مسألة أحداث إبريل 1989 الأليمة .
لا شك أن مداخلة السيد راشد الغنوشي سبقتها كتابة في ذات الموضوع من الاسلامويين
الموريتانيين ؛ وهي لا تقل في الشكل والمضمون عن شهادة الزور بالمجان
!
وعلى افتراض أن الغنوشي وقع في الخطأ جهلا في موضوع وقائع 1989 في
موريتانيا ـ وما كان ينبغي له ذلك ـ فنقول له إن شرارة أحداث 1989 بدأت أول مرة بين
مزارعين سينغاليين ومنمين من الزنوج الموريتانيين " الفلان" في قرية (جاورا)
الحدودية ؛ وإذن لم تكن المشكلة في أصلها بين الزنوج السنغاليين والعرب
الموريتانيين " البيظان ". ونضيف معلومة أخرى للغنوشي أن تلك الأحداث نشبت على
خلفية مطالبة السينغاليين لجزر صغيرة موريتانية في النهر ، وقالوا في معرض نزاعهم
مع الزنوج الموريتانيين (الفلان) إن الحدود بين البلدين يتجاوز خط" التالوك" أي
منتصف الماء إلى حيث تنتهي مياه فيضانات النهر على الضفة اليمنى ! أي على اليابسة
الموريتانية وهذه المطالبة بتغيير الحدود لم تبدأ بتاريخ 1989 ، بل سبقت ذلك في
1975 مع الرئيس السينغالي الأسبق سينغور ، وثمة مراسلات بينه مع الرئيس الموريتاني
المرحوم الأستاذ المختار ولد داداه في هذا الموضوع ، وأراد عبدو جيوف وأوساط معادية
لموريتانيا في الحكومة السينغالية 1989 إثارتها من جديد ، وخلق أزمة بسببها مع
موريتانيا ؛إذن إثارة مشكلة الحدود هي أصل أحداث 1989، خلافا لما يعتقده البسطاء من
المجرورين في موضوع غاية في الخطورة بغير وعي .
غير أن الإعلام الغربي عموما والفرنسي منه خصوصا تعمد وصف الأحداث بأنها بين
الموريتانيين والسينغاليين لغرض توجيه الرأي العام إلى أن المشكلة بين الزنوج
والعرب ، مدشنا حملة إعلامية شيطانية آزره فيها إعلام الدولة السنغالية الذي استخدم
كل أساليب التشنيع والتحريض على الموريتانيين .وهكذا تمكن الفرنسيون وأوساط موالية
لهم في السنغال من تأليب الرأي العام السنغالي ضد الموريتانيين وكانوا حوالي 500
ألف نسمة.
وثمة معلومة مفيدة في نزع غشاوة الجهل عن الغنوشي في هذا الموضوع ، ألا وهي أن
وزيري الداخلية في البلدين في تلك الفترة ، كليهما، من أصل فرنسي، فالموريتاني هو
كابرييل سينبير
GABRIEL SIMPER، الذي كان والده حاكما لمدينة كيفه في
الجنوب الشرقي الموريتاني ، أما وزير الداخلية السينغالي فهو جان كولين Jean
Colin، وهو نفسه كان حاكما فرنسيا قبل استقلال
السينغال ، وتقلد مناصب حكومية هامة ؛ وإذن لاحظ الجميع في ذلك الوقت أن الأزمة
قادها وأجج أوارها وزيرا الداخلية في البلدين. ولم يتمكن أحد في حينه أن يعرف سبب
حماسهما في صب الزيوت على النيران الملتهبة ولم يعرف أحد الغرض ولا الدوافع ولا من
كان يخضعان لتوجيهه .
لقد بدأت النيران في الاشتعال في ابريل 1989 ، بقتل الموريتانيين في السينغال وخاصة
فئة الحراطين التي نسميها العرب السمر ، وكانوا متخصصين في شواء اللحم في الأفران،
فقام السينغاليون بشي هؤلاء أحياء في أفرانهم ..! وظل الموريتانيون يتعرضون
للفظاعات بالقتل والشي والاغتصاب ونهب الأموال عدة أيام في عدة مدن سينغالية قبل أن
يحتمي الشعب الموريتاني لإخوته الذين يتعرضون للإبادة والجرائم الإنسانية على مرأى
ومسمع من العالم أجمع دون أن يحرك ساكنا .
السيد الغنوشي ،
لقد تعرض الموريتانيون للترحيل أول مرة ونهبت أموالهم ، وهم التجار الأثرياء بشهادة
السينغاليين دون أن ننكر أن السينغاليين تعرضوا لإيذاء وعمليات نهب ، لكن بدرجة أخف
وبخسائر لا تكاد تذكر مقارنة مع الأثرياء الموريتانيين، كون غالبية السينغاليين
عمال وكسبة صغار وحرفيون .
صحيح أن الرئيس المخلوع ولد الطايع واجه ترحيل الموريتانيين من السينغال بترحيل
السينغاليين من موريتانيا ومن ضمنهم من كان يحمل أوراقا موريتانية حصل عليها أحيانا
بفعل الرشوة المستشرية في نظام ولد الطايع ، فتجنسوا موريتانيين بالتزوير.
أحداث 1989 والدور المكذوب للبعثيين
يعرف الإسلامويون في موريتانيا وغيرهم من أصحاب النوايا الغير واضحة
أن البعثيين تعرضوا لبطش نظام معاوية ولد الطايع قبل أي قوة سياسية في البلاد بما
فيها الزنوج.
ففي يوليو 1988 اعتقل ولد الطايع جميع القيادات البعثية وأخضعها لصنوف العذاب
والتنكيل ، وأصدر قرارا بتصفية جميع العناصر التي يعتقد أن لها صلة بهذا التوجه من
أسلاك الجيش والدرك والحرس والشرطة والجمارك، وطردهم من كل مرافق الإدارة العمومية،
وظلت قيادات البعثيين في غياهب السجون في "تيشيت" و "تجكجة" في أقصى شرق البلاد، و
سجن "كيهيدي" على الحدود السينغالية! إلى أن أصدر ولد الطايع العفو العام 1991.
فبأي منطق يمكن تحميل البعثيين أخطاء نظام ولد الطايع وآثامه وهم أول من تعرض
للتصفية والسجن قبل الزنوج وبقوا في سجون هذا النظام إلى عهد ما سمي ب "الانفتاح
السياسي"، وهو عفو استفاد منه الجميع ،بمن فيهم الزنوج .
السيد الغنوشي،
لم تعلم قيادات البعثيين بأحداث 1989 إلا عبر خلل السجن، بل المفارقة أن بعض
العناصر البعثية التي كانت مطلوبة لأمن ولد الطايع وقعت عليها أحداث ابريل 1989 في
داكار فوجدوا أنفسهم في ورطة حقيقية، لأنهم كانوا عرضة للترحيل إلى نظام ولد الطايع،
الذي كان يطاردهم .
وصارعت هذه العناصر في ظروف استثنائية كي لا ترحل مع المسفرين من مواطنيها إلى نظام
تطاردها أجهزته الأمنية!! ومن مفارقات هذه الأحداث الكثيرة التي لم تعرف كاملة لحد
الساعة أن اثنين من أشرس من كانوا يتولون حراسة بعثيين في سجن مدينة كيهيدي
المحاذية للحدود السينغالية تم تسفيرهم إلى السينغال . والحرسيان دخلا إلى
موريتانيا في مهمة استخباراتية وتمكنا من الحصول على أوراق موريتانية بموجبها دخلا
الحرس الوطني وتم اختيارهما لمهمة التعذيب في السجون التي كان نزلاؤها من البعثيين
في ذلك الحين !
فبالله عليك يا غنوشي أي دور يمكن للبعثيين لعبه في مأساة الزنوج الموريتانيين
أثناء أحداث 89 وهم في هذه الحال، ما بين سجين وطريد لأمن ولد الطايع وسكيع مطرود
من الخدمة !! فلماذا التجني عليهم ؟ ولماذا يتجنى حواريوكم من الإسلامويين في
موريتانيا وهم يعلمون؟!
أيها الغنوشي! إن الموريتانيين أقل عددا من أن يجهل بعضهم بعضا، ونريد منكم الآن أو
ممن "زودوكم" لائحة بأسماء الضحايا الذين قضوا على أيدي بعثيين، أو الذين عذبهم
بعثيون! ونريد منكم لائحة بأسماء الضباط البعثيين أو ضباط الصف أو الجنود أو
الوكلاء الذين مارسوا التجاوزات اللاقانونية، ونريد أسماء الولاة وحكام المقاطعات
ورؤساء المراكز الإدارية من البعثيين المتورطين في هذه القضية، وادعوا شركاءكم
ليزودوكم بالمعلومات إن كنتم صادقين
!
أيها الغنوشي! هلا زودتم قارئكم الكريم بأي بيان أو موقف صادر عن البعثيين يؤيد ولو
بنسبة القطرة إلى المحيط ما ذهبتم إليه من افتراءات وأكاذيب وتضليل مغرض لقرائكم،
ولتدعوا الإسلامويين في موريتانيا ليسعفوكم بها إن كانوا فاعلين .
الدمع الكاذب ؟ ؟
السعي الدؤوب والحقد الداكن في قلوب الإسلامويين الموريتانيين على ما هو قومي
وعروبي هو أصل ومنبت هذه الدعاية المشينة وهذا الكذب المنهجي على البعثيين، على
الرغم من قرب وقائع هذه الأحداث وعلى الرغم أن المصطلين بها لم يسع أحد منهم أن
يفتري هذا الإفك المبين، يريد الإسلامويون في موريتانيا -ومعهم الغنوشي- أن نصدقهم
في ذرف الدموع على الزنوج، فأين دموع الإسلامويين على أبناء شعبنا من الحراطين
الموريتانيين الذين شواهم السينغاليون في أفران داكار أم أن هؤلاء لا يستحقون
البكاء عليهم وليسوا جديرين بدموع الإسلامويين ! وأين دموع الإسلامويين ورأفتهم
تجاه 500 ألف من الموريتانيين الذين شردوا ونهبت أموالهم الضخمة في السينغال؟ هل
سمع أحد منكم أسلامويا موريتانيا يتحدث عن محنة الموريتانيين في السينغال طيلة هذه
السنوات، أي منذ 89 إلى أن فاجأنا الإسلامويون بالبكاء على الزنوج الموريتانيين؟
ومتى انتبه الاسلامويون الموريتانيون- ومعهم الغنوشي- إلى محنة الزنوج في موريتانيا
،هل من موقف قبل ذلك حين كان الدم ينزف ! ومتى ؟؟؟
البعثيون والسجون
مع أن ما جاء في مقالكم – أيها الغنوشي - ليس خطأ في المعلومات وإنما هو تجل من
تجليات التعصب والحقد الكامنين في الذات الإسلاموية فسنريك –نلفت انتباهكم- إلى من
كان زبونا وفيا لسجون الأنظمة السياسية المتعاقبة على موريتانيا، هل هم البعثيون
الذين تحملوا ما تتشقق منه الجبال، وكانوا فكرة نمت تحت سياط الجلادين منذ تأسيسهم
في السنة 1968 إلى غاية شهر مايو 2003، أم هم الإسلامويون الذين نموا كفطر المراح
ونباتات الحنظل ولم يعرفوا السجون قبل 1994. ورغم أنهم لم يتعرضوا لأي تعذيب جسدي
أو نفسي ولم يمكثوا أكثر من أسابيع فقد نثروا خفاياهم بالاعترافات المسجلة في وسائل
الإعلام السمعي والبصري كأنهم مأفونين (من الأفيون) أو كأنهم مدسوسين
!
ابرز محطات السجن بالنسبة للبعثيين
تعرض البعثيون - الذين وصفهم أحد كتابهم بأنهم نبتة ترتوي من الدم الذي يسيله
الجلاد على أجسادهم - للسجن والاعتقال على النحو الذي نذكر منه أبرز المحطات
التالية حسب الترتيب الاكرونولوجي، فانظر سنوات الاعتقال
.1970/1971/1976/1979/1982/1985/1987/1988/1995/
2003 وفي السنة الأخيرة تعرضوا للاعتقال مرتين! .وهنا
نطلب من السيد الغنوشي والجماعات الإسلاموية أن يخبرونا في أي من هذه السنين وقع
تبني الديكتاتور ولد الطايع لإيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي وملأ وعاء حكمه
الفارغ بها؟!
العلاقات الموريتانية العراقية في ثمانينيات القرن المنصرم ..
أما فيما يتعلق بالعلاقات التي سادت بين نظام ولد الطايع و العراق في تلك الفترة،
فلم تكن مصبوغة بصباغ إيديولوجي، بدليل بسيط أن أيام ازدهار هذه العلاقات صادفت
أيام افتراس ولد الطايع للبعثيين بلا رحمة، ولم تتدخل الحكومة العراقية مطلقا في
هذا الشأن، ويمكن للغنوشي والإسلامويين اليوم الاطلاع على أرشيف الحكومة العراقية
الموجود بين أيدي محسن عبد الحميد الزعيم الروحي للإخوان المسلمين وعصابة
الاسلامويين من الصفويين الجدد في العراق من "الثورة الإسلامية" و"حزب الدعوة"
الموالين لعبدة النار في بلاد المجوس (إيران) ،فأين الذين يتباكى عليهم الغنوشي رغم
ما ألحقوه من أذى بالعرب والمسلمين من خلال تآمرهم على هذا البلد وما قدموه من
إسناد لقوات الغزو والاحتلال الأمريكي والبريطاني
تستشف مولاة الغنوشي لإيران من خلال استهزائه بوصف الرئيس القائد المجاهد فك الله
أسره صدام حسين( بأن العراق هو حامي البوابة الشرقية للوطن العربي) ويحط الغنوشي
هذه الجملة بين معكوفين!! ولا يريد الغنوشي أن يقبل الحقائق على الأرض بعد احتلال
العراق ؛ لا يريد أن يقر أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم اليوم بتغيير المناهج
التربوية في السعودية وغيرها من إمارات الخليج؛ فهي ( أمريكا) التي تقرر الآيات
القرآنية والأحاديث النبوية التي ينبغي تعليمها لأبناء المسلمين، ولا يريد أن يعترف
بما تتعرض له سوريا اليوم وما يتهددها من مخاطر على وجودها ،ولا يريد أن يرى ما قام
به الأمريكيون من تغيير في الخريطة السياسية اللبنانية وتغليب الجماعات الموالية
للسياسة الأمريكية لتولي السلطة في ذلك البلد، بعد طرد السوريين وتطهير الأجهزة
اللبنانية السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية من العناصر القومية والعروبية ...
ويبدو من المفيد أن نذكر الغنوشي إن فصائل المقاومة المسلحة منذ تم احتلال العراق
استفرد ت بها الأنظمة الرجعية والعميلة في الوطن العربي ، وانعكس ذلك في مواقف هذه
الفصائل ، واقصد هنا قبولها بالهدنة مع الكيان الصهيوني !.. وتناقص العمليات
الاستشهادية في عموم فلسطين ...؟
ورحم الله عبد العزيز الرنتيسي ، فقد كان مسلما حقا ، يوم صرح أن المقاومة
الفلسطينية "تيتمت" بسقوط نظام صدام حسين. فإذا كان الغنوشي يهزأ من كلام صدام حسين
أن العراق هو بوابة العرب الشرقية ، فإن الواقع سيلقمه حجرا
..!
فأمريكا اعترفت بذلك رسميا وبنت استراتيجيتها في تغيير المنطقة وفق ما سمته ((الشرق
الاوسط
الكبير )) على أساس أن العراق هو بوابة هذا الوطن، فاحتلته، ولولا المقاومة الوطنية
العراقية التي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي والقوى الوطنية والإسلامية
الجهادية ، لكانت أمريكا استكملت فصول استراتيجيتها ، وألبست المنطقة الثوب الذي
حددت هي مقاسه ولونه ، ولكان الشيخ الغنوشي اليوم يجرجر من لسانه ... مع "اخوان"
يقتصرون في جهادهم بالصياح في لندن وواشنطن ... وعواصم غربية أخرى ، عبر الفضائيات
ومواقع الانترنت ...
أين كان الاسلامويون في موريتانيا عام 1989 ؟
لم تكن أحداث
ابريل 1989 أحداثا عابرة ، ولم يكن الاسلامويون يومئذ مغيبون في السجون ، أو
مطاردون من نظام ولد الطايع في المنافي السياسية ، ولم يكونوا مهاجرين عن البلاد في
سبيل الله يومئذ ، فأين مواقفهم من أحداث ابريل 1989 الأليمة ، التي يبكون اليوم
علي ضحاياها ؟، ألم تكن لهم يومئذ أعين يبكون بها ، أو أيد يدافعون بها ، أو مداد
يكتبون به ، أو قرطاس يسطرون عليه موقفا ، أو لم تكن لهم أرجل يمشون بها لاعتصام أو
احتجاج ، أو يمشون بها عن الأرض التي يسيم نظامها المستضعفين من الرجال والنساء
والولدان سوء العذاب ؟! أم أن الاسلامويين يومئذ لم يولدوا في موريتانيا ؟!
لا .. لقد كانت
1989 ــــ1991 هي الفترة الذهبية لانتشار الاسلامويين في موريتانيا بسبب امتياز
علاقاتهم مع نظام ولد الطايع ، وهو ما انعكس في انتشار النوادي والجمعيات
الاسلاموية ، والمكاتب الصوتية " الدعوية " .. كما سادت في هذه الفترة ظاهرة
المساجد التي يمولها ( فاعلو خير ) من الخليج العربي لصالح من تتم تزكيته من رجال
معروفين في موريتانيا ! وهذه المساجد كانت سببا هاما في عملقة القوة الاقتصادية
والمادية وفي امتلاك وسائل الاتصال للاسلامويين ، فضلا عن المنظمات الخيرية
الخليجية التي كانت تقتصر في توظيفها للموريتانيين علي تزكية رموز الاسلامويين لدى
هذه الهيآت الخيرية ، وبالنتيجة كانت تكتتب موظفيها من صفوف هذه التيارات..!
لقد كان النموذج
عند ولد الطايع في تلك الفترة يتمثل في قيادات الاسلامويين أمثال ، محمد فاضل ولد
محمد الأمين، وأبوبكر ولد احمد ، اللذين كانا وزيرين في حكوماته ، وبومي ولد ابياه،
الذي كان نافذا في نظام ولد الطايع بسبب علاقته الاندماجية مع ابن عم ولد الطايع،
أي الاسلاموي عبدو محم ! والمختار ولد محمد موسى ، الذي كان عضوا ناشطا في حزب ولد
الطايع ، وكان سفيرا لنظامه ، واتخذه ولد الطايع مع توليه سدة الحكم مستشارا دينيا
..!!
فأي الفريقين ـ البعثيين والاسلامويين ـ أحق بأن يوصف بأنه شكل البنية التحتية
والقاعدة الإيديولوجية لنظام ولد الطايع أثناء أحداث ابريل 1989 ؟ ، هل هم البعثيون
الذين يرسفون في الأغلال ويطاردون في أدغال إفريقيا ؟ .. أم هم الاسلامويون الذين
يسرحون ويمرحون في هذه الفترة بين نواكشوط وعواصم الدول الخليجية ، والسودان واليمن
وباكستان وأفغانستان... لجمع المال باسم الجمعية الإسلامية الموريتانية ، ونادي
عائشة ونادي مصعب، واستدرار أموال الخليجيين باسم " بناء المساجد" ...؟!
وفي ظل من قام ولد الطايع بشن حملته العنصرية ضد " جزء كبير من مواطنيه الزنوج في
جنوب البلاد .. " ؟! ومن كان " مضمونا اديولوجيا يومها لحكم ولد الطايع الفارغ .. "
؟
هل هو ممد ولد احمد المسلسل في سجن تشيت المدفونة بين كثبان الصحراء الكبرى في شرق
موريتانيا ، أو هو محمد يحظيه ولد ابريد الليل المحشور في زنزانة لا يكاد يتمطط
فيها في كيهيدي؟، أو هو عيسى ولد بلال المتنكر في هيأة تاجر متنقل في ساحل العاج،
واللائحة تطول ؟!
ام أن " المضمون الايديولوجي" هو محمد فاضل ولد محمد الأمين ، وبوميه ولد ابياه ،
وعبد محم والمختار ولد محمد موسي، وسواهم من أصحاب العمائم "البيضاء"؟!
...
ولد الطايع .. وحظر الأحزاب.
صحيح أن ولد الطايع كان جبارا وان جميع القوى السياسية تأذت من نظامه ، ما عدى
الشيوعيين ( ولد بدر الدين) ، إلا أن السيد الغنوشي في معرض ذكره لحظر ولد الطايع
للأحزاب السياسية ، لا يدري ، أو لا يريد أن يدري أن أول حزب سياسي تم حظره في زمن
ولد الطايع كان حزب الطليعة الوطنية المحسوب على البعثيين في 03\11\1999 على خلفية
مقاومة هذا الحزب الشرسة لعلاقات موريتانيا مع الكيان الصهيوني ، ولا يدري الغنوشي
أن آخر حزب حظره ولد الطايع كان حزب النهوض الوطني ذي التوجه القومي البعثي ، حيث
زج بقيادة هذا الحزب في سجونه وحاكمها في 31\05\2003 ، على خلفية مقاومة البعثيين
مع الشعب الموريتاني لغزو العراق وإسقاط نظامه الوطني والقومي
.
جذور الدعاية ... وأبعادها السياسية
ترجع جذور الدعاية الكاذبة في اشتراك البعثيين في أحداث 1989 إلى المواجهة التي
كانت محتدمة بين القوميين عامة والبعثيين خاصة مع الشيوعيين في موضوع هوية البلاد
ولغتها.
فبقدر ما دافع القوميون العرب عن الهوية
العربية واللسان العربي بقوة في وجه الافرانكفونية والتغريب ، كان الشيوعيون لا
يقلون إصرارا في مواجهتهم للقوميين . وعرفت هذه المواجهة مراحل متعددة وشهدت عناوين
حملت في مجملها صنوفا من التشويه والتحريض على القوميين ، وافتعال أزمات عرقية بين
مكونات الشعب الموريتاني ، لغرض توظيفها سياسيا ودعائيا في سبيل إحداث اكبر شرخ بين
العرب والزنوج ، والتظاهر بان الشيوعيين هم المدافعون عن الأقلية الزنجية
.
من هنا، جاءت دعاية اشتراك البعثيين فيما لحق بالزنوج ، رغم أنهم في السجون قبل
الأحداث بسنة واستمروا فيها إلى إعلان الانفتاح السياسي 1991
.
ويبدو أن هذه الدعاية مثلت أقوى مراحل التحامل المتصاعد على البعثيين، استقوى فيها
الشيوعيون بالوضع الدولي وما يتعرض له البعثيون من تنكيل محلي وحصار دولي على خلفية
العدوان الثلاثيني علي العراق 1991 ، وبعد احتلال العراق 2003
.
ويبدو أن الاسلامويين الموريتانيين اكتشفوا مؤخرا هذه الدعاية ووجدوا فيها ضالتهم
التي كانوا يفتشون عنها لخطب ود ومغازلة رموز " افلام " الذين التقوا بهم في بلجيكا
أثناء هروبهم من سجن ولد الطايع 2003
.
وإذا كان الهدف من هذه الدعاية الكاذبة بالنسبة للشيوعيين واضح ، وهو محاربة تعريب
موريتانيا وتثبيت هويتها القومية على أيدي القوميين ، بعيدا عن التنكر للتعدد
الإثني في موريتانيا والحقوق الثقافية والقومية للزنوج ، وهم الأقلية ، وإذا كان
أيتام الشيوعية عمدوا الى هذه المغالطة التاريخية لتخليص حليفهم ولد الطايع من
التبعات الانسانية لاحداث 1989 ، من خلال تعليق هذه التبعات على القوميين العرب ،
وساندتهم في ذلك فرنسا ، التي بعد ما فشلت في إطاحة نظام ولد الطايع 1989 بسبب
التفاف الموريتانيين ضد التدخل الأجنبي ، حاولت هي الأخرى إيجاد مخرج لنفسها يمكنها
من إعادة الاعتبار لولد الطايع الذي وصفته بأبشع النعوت؛ وهذا المخرج تمثل في تحميل
القوميين العرب التركة الإنسانية لأخطاء ولد الطايع ، وخطاياه عام 1989 دون أي دليل
..!! فما الذي حمل الاسلامويين على الكذب البواح ، وهل الرغبة في التحالف مع "
افلام" تستحق التضحية بالحق والحقائق التاريخية ؟!
كلمة أخيرة
يبقى من باب النافل من القول إن البعثيين لن يتهيبوا الدفاع عن هوية موريتانيا وعن
اللسان العربي فيها ، مهما تحالف المغرضون من الاسلامويين والشيوعيين في هذه
الدعاية الكاذبة وفي سواها، ولن يتخذ البعثيون مرجعية مستوردة من باكستان ، او
افغانستان او الهند ؛ وهم ـ البعثيون ـ أصلاء في هذه الأرض - أحفاد الشناقطة ، ولهم
أسوة حسنة في علماء بلاد شنقيط ومشايخها ، أمثال الشيخ سيدالمختار الكنتي والشيخ
محمد فاضل، والشيخ محمد الحافظ ،والشيخ حماه الله، والشيخ ماء العينين، والشيخ ابو
المعالي والشيخ سيديا الكبير ... وسواهم ممن شهد لهم القاصي والداني بالعلم
والإيمان والزهد ؛ رجال نشروا رسالة الإسلام الخالدة وسماحته في إفريقيا الوثنية ،
فدخل على أيديهم أفواج في الإسلام ، وحملوا رايته عاليا في كل مكان دون فحش في
القول ولا خشونة في السلوك ، فكان الإسلام يدخل سلسا في قلوب هذه الشعوب ، وكان حب
العرب ولسانهم يدخل مع الإسلام في كل قطر يدخله مشايخنا وأعلامنا التاريخيون
...
وختاما نقول ـ كما سبق ـ إننا لم نكن نرغب في المواجهة مع أية قوة سياسية موريتانية
، بل عملنا على توحيد صفوف القوى الرافضة للهيمنة الامريكية ، وفي مقدمة من رغبنا
في العمل معه التيارات الاسلاموية ، وتصاممنا عن أذاها ،ولكن مع الأسف في كل مرة
نفاجأ بان الاسلامويين يفضلون التحريض علينا وسبنا والتحامل علينا في المساجد وفي
خطب الأعياد ، وفي الصحف ومواقع الانترنت والفضائيات ، وشمتوا بنا عندما احتل
الامريكيون بغداد واسقطوا نظامها الوطني ، وتنادوا مهللين لأسر القائد العربي
المجاهد صدام حسين!
وكنا في كل مرة نلتزم الصمت ، ونرد أحيانا بلطف وتلميح ، ونذكرهم بحراجة المرحلة
الراهنة التي نواجه فيها جميعا أعتا عدو للعرب والمسلمين ـ امريكا ـ الا أن صمتنا
لم يثمر وعيا لدى هؤلاء الاسلامويين ، واليوم يمتد هذا السباب والشتم والدعاية
التحريضية الى خارج البلاد ليأتينا على لسان رجل كنا نكن له التقدير والاحترام ،
ونجله عن الاستغلال الرخيص والكاذب لدعاية الشيوعيين الموريتانيين ، الذين تحللوا
بعد سقوط إمبراطوريتهم في الشرق من كل مبادئهم ، إلا الحقد وكراهية العرب
..!!
يبقى – أخيرا - أن نذكر السيد الغنوشي بكلمته التي قالها في بغداد بعد دخول العراق
للكويت " ... لم أكن ممن يحبون نظام البعث في العراق، ولكن حين يضل المرء في صحراء
ويجد بوصلة تبين له جهة الشمال فإنه يهتدي إلى باقي الجهات ، وحين تبين لي أن أعداء
النظام في العراق هم الآمريكان وإسرائيل تغير موقفي من هذا النظام على إثر ذلك...
ونحن نقول للغنوشي إننا لم نكن ضالين في الصحراء يومئذ، و لا محتاجين لبوصلة إرشاد
، ونحن اليوم لم نفقد البوصلة بعد احتلال آمريكا للعراق، ولذلك لن تجد اختلافا في
كلامنا بين 1990 و 2005 ، عكسا لحزب الإخوان المسلمين ، وحزب الدعوة، و الثورة
الإسلامية ، وسواهم من العناوين الاسلاموية المتحالفة مع المحتلين الأمريكيين في
العراق....
البعثيون – موريتانيا
14\ديسمبر| كانون الأول\ 2005