بسم الله الرحمن الرحيم
حزب الصواب
تصريح
يتوالى المنتدى المنظم من طرف " التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة" RDU الذي يمكن تخمين محركه الحقيقي ، بصيغ متنوعة. فتارة يسمى تجمعا رغم أنه لا يمثل في الواقع إلا جهة واحدة ، كما كان عليه الأمر في شهر ابريل، وتارة يسمى لجنة المتابعة، أو اللجنة الدائمة، وتارة الإطار التشاوري كما هو الحال الآن . لكن هذا المنتدى لم يثر حماس ولا انتباه المواطنين، لأنهم لا يتوقعون منه الشيء الكبير . تجاهلوه لأنهم يعرفون حقيقته وما ينطوي عليه، فهو في نظرهم مجرد محاولة جديدة يائسة من طرف نظام بال مهيمن منذ عشرين سنة يريد أن يتجدد ويستعيد شبابه ليطل من النافذة بعد أن سئم الناس طلعته من الباب.
إن الإخراج حتى وإن شارك فيه بعض المعارضين القدامى، أو شهد محاولة جلب معارضين حقيقيين إليه، لا يبدو قادرا على خديعة أي كان ، ويخشى أن لا يقع في الشرك سوى أولئك الذين نصبوه. إن غباء الحيلة لا يدع مجالا لتصديقها أو انخداع إي كان بها .
لم يتطرق المنتدى الذي استمر مند أربعة أشهر للقضايا المطروحة، وخصوصا المشاكل الصارخة، وفي مقدمتها الأزمة السياسية الخطيرة التي يعيش البلد منذ سنوات، وضرورة البحث العاجل لإيجاد نظام ديمقراطي بديل يحل محل نظام الأغنياء المستبد. وبدلا من ذلك سعى المنتدى إلى التحايل والتستر على هذه القضايا البارزة في مسعى غير نزيه لتدمير المعارضة وتشتيتها من جديد .
لقد استقال جزء من هذه المعارضة، وبدا مشاركا في اللعبة، بينما استسلم جزء آخر طائعا ومد عنقه على خشبة المذبحة. اما البقية فيجب أن تروض بعد اقتلاع مخالبها .
أن النظام الذي لم يكتف بتكميم أفواه المعارضة وتحجيمها يريد الآن أن يحشرها في قميصين جبريين، كما لو كان قانون الأحزاب المفصل على مقاسه وعند طلبه، لا يكفي، والممارسة اليومية التي تلوي أعناق النصوص القانونية والدستور لا تكفي أيضا . المطلوب الآن نظام للمعارضة وميثاق لحسن السيرة والسلوك بين جميع الأحزاب ، الشيء الذي يوضح للمعارضة بشكل جلي و نهائي أنه لم يعد لها أي هامش للعمل ولا أبسط فضاء للحرية . ومن نافلة القول أنها لا تمتلك أصلا حق النشاط ومن الآن فصاعدا عليها قبل أن تنبس ببنت شفة أو حتى تفكر، عليها، أن تستشير الحزب الجمهوري و RDU. يجب عليها كذلك أن تحترم بدقة الميثاق الذي وقعته" طواعية " بمواده الجديدة ، كاحترام قادة RDU وإعلان الإعجاب بالديمقراطية التي نعيش في ظلها منذ أربعة عشر سنة. على المعارضة أيضا أن تثبت حسن نيتها، بسبب " سوابقها المشبوهة" فيما يتعلق بالديمقراطية؟ .
ولنا أن نتساءل : من الذي سجن السياسيين وصادق وأيد حبسهم على امتداد كل السنوات الأخيرة ، بدون أن يكون هؤلاء الرجال قد ارتكبوا أدنى عمل سيتوجب العقاب ؟ من الذي أدان رجالا سياسيين بسبب جرائم كانت من نسج الخيال، أو صادق وبرر إدانتهم؟ من الذي
حل وحظر الأحزاب السياسية؟ من الذي صادر وحظر الصحف؟ من الذي جرد رجالا سياسيين من حقوقهم المدنية والسياسية بدون أن يكونوا قد ارتكبوا أبسط مخالفة للقوانين والنظم المعمول بها في ظل النظام الحالي؟ـ على ما هي عليه ـ أيهما هل هي المعارضة أم النظام؟
من الذي يجب أن يقدم ضمانا على حسن نيته؟ من الذي يجب أن يثبت أنه يقبل اختلاف وتعدد الآراء ؟ من الذي يجب أن يثبت أنه قابل للتعددية الحزبية ؟ من الذي يتعين عليه إثبات وجود ديمقراطية أو ما يشبهها في موريتانيا ؟ من الذي يجب أن يثبت أنه يحترم الرأي الآخر؟ من الذي يجب أن يثبت إمكانية معايشة الخصم السياسي دون أن يكون عرضة للسب يوميا، وأن يساق باستمرار إلى السجن أو يخضع للتعذيب والإهانة ويرمى لقمة سائغة لقضاة يجهلون القانون وأدبيات المهنة، متنافسين مع الشرطة ووكلاء الحزب الجمهوري في حدة تعبيرهم وسلوكهم والقيام بما هم أهل له؟
بكل صراحة، من الذي يجب أن يلتزم أمام نفسه وأمام الجميع بتغيير سلوكه ليتصرف بشكل سوي، وأن يسن مدونة حسن سيرة يوقعها بنفسه، لنفسه، ويحقق قطيعة مع الماضي بحيث لا يعود الأمر كما كان، ويطمئن الجميع على أن كل ما عرفه آخرون في أبدانهم وأذهانهم لن يتكرر أبدا، وأن الأمر سيكون مختلفا تماما وأن كل هذا التعذيب الجسدي والمعنوي وكل تلك المضايقات والرقابة البوليسية، كل هذا الحرمان والظلم كانت أخطاء. لم يذق حزب RDU أو يتعرض لشيء من مرارة أهوالها .
يجوز أن RDU وربما الحزب الجمهوري ، قد ضما رجالا قلائل لم يتنكروا لمبادئهم الديمقراطية، ونحن نسلم بذلك ، ولكنهم رهائن مثل تلك الشخصيات المستقلة التي شاركت في المنتدى .
لقد تردد كثيرا أن رئيس RDU من جملة المثقفين، وربما يعطي مظهر مقابلاته أحيانا مثل هذا الانطباع، لكن جوهر هذه المقابلات لا يثبت هذا الانطباع بصفة واضحة .
مفهوم المثقف ليس جملة من العبارات، إنه أولا مجموعة قيم إنسانوية وديمقراطية ، المثقف هو من يَعظُم في فضائه الشخصي الإنسان وحريته.
المفكر النازي " جوباس" بغض النظر عن تكوينه الذي أهله من حيث المبدأ لأن يكون مثقفا ، صار ذلك الوحش الذي نعرفه ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره مثقفا، إلا إذا اعتبر "ستالين" ـ الذي زاول مبكرا الدراسة في مدرسة دينية ـ أسقفا أورتودوكسيا وديعا . بينما "فيكتور سيرج" الذي نشأ متشردا في الشارع واشتغل عاملا يدويا في سن الرابعة عشر كان مثقفا من الطراز الأول.
لكي تكون مثقفا في موريتانيا وبالذات في هذا الزمن، يجب أولا أن تكون هرطقيا خارجا على تفكير المافيا والمتنفذين قبل أن تتصدى لشرح ماركس .
إن أول صفة يتصف بها المثقف هي النزاهة الفكرية، ثاني صفة هي الإنسانوية والطيبوبة.
و بكل نزاهة ، علينا أن نتساءل ضد من يجب أن نتحصن ، ضد عنف المعارضة المتخيل أو المفترض في المستقبل، أي في آخر الزمان، أم ضد الاستبداد والقمع المعاش يوميا ؟
كيف يعقل أن نطالب بميثاق حسن سلوك بين الدب والخراف وإثر هذا التفاهم الغريب يفرض على الأخيرة إنشاء نظام يحظر عليها الصياح وتعدد الألوان الذي قد يكون من شأنه التشويش على الدب.
إن حزب الصواب، الذي هو بالبداهة خروف أعضاؤه ما زالوا يحملون آثار مخالب الدب، لن يثق ـ على أساس تصريح صادر ر عن حزب RDU ـ بالدب الشرس الموجود في الحظيرة، حيث تتوالى خسائره في الأرواح والأموال دون أن يستطيع كائن من كان أن يصيح عليه.
إن حزب الصواب قد يجد نفسه مكرها على توقيع هذا الميثاق وذلك النظام، لكن، ليس قبل أن توضع الحراب على عنقه.
انواكشوط 28/07/2005
القيادة السياسية