بسم الله الرحمن الرحيم
الشرعية الدستورية و السلم الوطني
تمر بلادنا منذ
شهور بأزمة في غاية الخطورة، بلغت ذروتها مع إقالة الرئيس السابق سيدي محمد ولد
الشيخ عبد الله لقادة الجيش الوطني، وإقدام هؤلاء القادة على تغيير نظام الحكم.
لقد وصل الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله إلى سدة الحكم إثر انتخابات
رئاسية، حسبها الموريتانيون في وقتها شفافة ونزيهة، بعد تنحي رئيس المجلس العسكري
السابق، العقيد اعل ولد محمد فال. وتنفس الجميع الصعداء، حين أصبحت المؤسسة
العسكرية الوطنية محل تمجيد وثناء في الداخل والخارج بفضل تسليمها السلطة للمدنيين،
وهو إجراء نادر الحدوث في عالمنا الثالث. لكن ما إن انقشع غبار المعركة الانتخابية،
حتى بدأ الناس يدركون السر وراء نجاح سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وهو الرجل الذي
تغرب عن البلاد زهاء عشرين سنة، وليس له ارتباط سياسي أو حزبي، ولا اهتمام بالبلاد
خلال هذه الفترة، لقد كانت قوة ولد الشيخ عبد الله أثناء الانتخابات التي حملته إلى
سدة الحكم مستمدة من دعم خفي من بعض القيادات القوية في المجلس العسكري السابق، وهو
الأمر الذي اعترف به الرئيس السابق نفسه في مقابلة مع قناة الجزيرة، أياما قليلة
قبل الإطاحة به، مما قوض من مصداقية نتائج الانتخابات الرئاسية، وحمل إلى الأذهان
احتمال وجود معاهدة مكتوبة أو شفهية بين العسكر والرئيس السابق، يتكتم الطرفان على
مضمون بنودها. وقد عزز هذا الأمر أن الرئيس
السابق ظل يمعن في الثناء على قادة الجيش وينكر أي خلاف معهم إلى أن فاجأ
الموريتانيين بفصل قياداته العسكرية الأربع في غبش النهار دون إعطاء مبرر مقنع لهذا
الإجراء الذي أقدم عليه، وهو الذي يفترض فيه معرفة الحمولة الاستفزازية لهذا
الإجراء في حق مؤسسة هي صاحبة الفضل عليه لتوليه مقاليد الأمور، وهي في ذات الوقت
صاحبة القدرة على تغيير أنظمة الحكم في بلادنا.
وقد حذر حزبنا في وقت سابق من نتائج الاستمرار في استفزاز المؤسسة العسكرية، مما
جعله يعتبر أن إجراء الرئيس السابق غير حكيم، وغير مسئول، حيث وضع البلاد
ومكتسباتها الديموقراطية قربانا لاختبار قدرته على ممارسة صلاحياته الدستورية.
ونذر هذا الإجراء المشئوم بدأت حين انقلب الرئيس السابق على حلفائه في الأغلبية
السياسية باتجاه توسيع قاعدته التنظيمية إلى أطراف سياسية بديلة، في خطوة لم يوفر
لها ظروف التوفيق رغم أنها كانت سهلة وفي متناوله ولا تحيط بها أية مخاطر.
أما وقد دخلت البلاد هذا المنعطف الحاد، فإن حزبنا مع رفضه للاستيلاء على السلطة
بالقوة، إلا أنه لا يرى من المسؤولية عدم الاعتراف بالواقع الجديد، الذي لا سبيل
لتغييره إلا باستخدام قوة أكبر داخليا أو خارجيا، وهذا أمر مرفوض مطلقا من جانبنا،
لأنه سيقود شعبنا إلى حرب أهلية، كل خياراتها بالغة السوء ومدمرة لكيان دولتنا
الوطنية، ولن يكون منها مطلقا ما يمكن أن يعيد الأمور إلى ما قبل السادس من أغسطس.
لقد أصبحت الأمور اليوم تتجاوز البعد الدستوري والقانوني في خطورتها إلى بعد الحفاظ
على كيان البلاد وأمن ساكنيها.
إننا في هذا الإطار نرفض بشدة كل تلميح أو تصريح يطالب بالتعويل على التدخل الأجنبي
لإعادة الشرعية الدستورية لمؤسسة الرئاسة، و ندعو أصحاب الرأي وقادة الأحزاب
الوطنية إلى التخلي عن مواقف الانفعال بالحدث، والتصرف بروح قادة المجتمع، الذين
يمتلكون حسا تاريخيا ووطنيا، ويتحلون بالحكمة وبرودة الأعصاب عند التهاب الإحداث،
حتى يتسنى لنا جميعا التواضع على أرضية للتفاهم الوطني تخرج البلاد من المأزق
الراهن، وتصحح العيوب التي رافقت المرحلة الانتقالية، في ضوء منظور الحفاظ على كيان
البلاد وسلامتها، قبل أي اعتبار.
إن التاريخ يكاد يخلو من مثال على حركة ناجحة اعتمدت أسلوب التوتير الوطني،
والاستقواء بالأجنبي على حساب أطراف وطنية، والأمثلة شاخصة أمامنا في الصومال،
وزائير وأفغانستان، والعراق... وغيرها.
إن الواقع على الأرض أصبح حقيقة لا سبيل لتغييرها إلا باعتماد إحدى طريقتين:
أولا
: طريق العنف:
يبدأ بالمطالبة بفرض حصار اقتصادي دولي، يحرض أطرافا في الجيش الوطني على بعضها، أو
استقدام قوة عسكرية أجنبية وهو طريق لا تخفى مخاطره الكارثية على بقاء كيان الدولة
ونسق وجودها، وهو أمر مرفوض مهما كانت الذرائع.
ثانيا : طريق الحوار والتفاهم:
يبدأ برص القوى السياسية والحزبية الوطنية صاحبة الرأي لصفوفها وتنسيق جهودها كي
تستطيع التأثير في مجريات الأحداث واتقاء تطورها في اتجاه أكثر سلبية وهو ما يدعو
إليه حزبنا اعتبارا منه للمصلحة العليا للبلاد من خلال :
1-
اعتبار أنه لا سبيل للتغلب على هذا الواقع المأزوم إلا بمزيد من الوعي، وصلابة
العود ومقاومة الإغراء بالموقف الدولي، وفقا لتنظيم ذاتي وداخلي محكم، حتى لا تتعرض
وحدتنا ومكتسباتنا التي تحققت في العهد الديمقراطي للانتكاس.
2-
دعوة
كافة الأطراف السياسية الوطنية إلى التفاهم على أجندة سياسية موحدة وجدولة زمنية
محددة تسلم للمجلس الأعلى للدولة من أجل تنظيم انتخابات رئاسية فورية تعيد الحياة
الدستورية دون انتقاص.
3-
دعوة
القادة الجدد إلى الإسراع نحو التشاور وتبادل الرأي مع كافة ألوان الطيف الحزبي
والقوى المؤثرة في البلاد دون استثناء، حول أنجع السبل وأسلمها لإعادة الحياة
الديموقراطية والدستورية إلى مجراها، وبذلك ننفذ إلى ضمير المجتمع الدولي، والشرعية
الدستورية مع السلم الوطني.
القيادة السياسية
10/08/2008